في قلب البحر الكاريبي، كانت تقبع جزيرة “ليتل سانت جيمس”، التي بدت للعالم الخارجي كجنة استوائية خاصة، لكنها خلف الأسوار كانت تخفي “جحيما” من الاستغلال والإتجار بالبشر. إنها قصة جيفري إبستين، الملياردير الذي نسج شبكة عنكبوتية أوقعت بقاصرات، وربطت بينهن وبين أقوى رجال الأرض من رؤساء، أمراء، ونجوم هوليوود.
نفتح اليوم “الصندوق الأسود” لهذه القضية، مستندين إلى وثائق المحكمة الفيدرالية، شهادات الضحايا، والملفات التي رُفعت عنها السرية مؤخرا.
الفصل الأول: الصعود الغامض.. من مدرس إلى “جاتسبي” نيويورك
بدأ جيفري إبستين حياته المهنية كمدرس للرياضيات في مدرسة “دالتون” المرموقة في مانهاتن، رغم عدم إكماله لشهادة جامعية. سرعان ما انتقل إلى عالم المال عبر بنك “بير شتيرنز”. وفي غضون سنوات قليلة، تحول إبستين إلى ثري غامض يدير أصولاً بمليارات الدولارات لعملاء “لا يُسمح بذكر أسمائهم”.
كان إبستين يمتلك عقارات في نيويورك، باريس، نيو مكسيكو، وفلوريدا، بالإضافة إلى جزيرته الخاصة. لقد صنع لنفسه هالة من النفوذ جعلت الجميع يطمح لقربه، من علماء حازوا على نوبل إلى ساسة يقررون مصير العالم.
الفصل الثاني: غيسلين ماكسويل.. العقل المدبر والشريكة
لا يمكن فهم قصة إبستين دون الحديث عن غيسلين ماكسويل، ابنة إمبراطور الإعلام البريطاني روبرت ماكسويل. لم تكن مجرد حبيبة، بل كانت “المديرة التنفيذية” لعمليات الإتجار.
كشفت التحقيقات أن ماكسويل كانت تلعب دور “صائدة الفرائس”. كانت تتقرب من الفتيات القاصرات (بعضهن في سن 14 عاماً) في المدارس، الحدائق العامة، أو المناطق الفقيرة، وتعدهن بفرص للتعليم أو العمل كعارضات أزياء، لتنتهي بهن الرحلة في غرف التدليك الخاصة بإبستين.
الفصل الثالث: الآلية.. ماذا كان يحدث في “غرفة التدليك”؟
وفقا لشهادات الضحايا (مثل فيرجينيا جوفري وسارة رانسوم)، كان النظام قائماً على الهرمية:
- التجنيد: يتم إغراء الفتاة بالمال مقابل “تدليك” بسيط.
- التوريط: يتطور الأمر إلى اعتداءات جنسية وتصوير لابتزاز الضحايا لاحقاً.
- التدوير: يتم نقل الفتيات عبر طائرته الخاصة المسماة بـ “لوليتا إكسبريس” بين نيويورك، فلوريدا، وجزيرة سانت جيمس.
- خدمة الضيوف: في كثير من الأحيان، كانت الفتيات يُجبرن على “خدمة” أصدقاء إبستين النافذين لضمان ولاء هؤلاء الأصدقاء أو ابتزازهم.
الفصل الرابع: قائمة العار.. الأسماء التي هزت العالم
في مطلع عام 2024، وبأمر قضائي، تم الكشف عن مئات الوثائق التي تضمنت أسماء شخصيات بارزة وردت في سياق التحقيقات.
1. السياسيون والحكام:
- بيل كلينتون (رئيس أمريكي أسبق): ورد اسمه عشرات المرات. الوثائق تشير إلى سفره المتكرر على طائرة إبستين، وشهادات تفيد بوجوده في الجزيرة (وهو ما نفاه بشدة). إحدى الضحايا زعمت أن إبستين قال لها: “كلينتون يحبهن صغيرات”.
- دونالد ترامب (رئيس أمريكي): كان صديقاً لإبستين في التسعينيات ووصفه بـ “الرجل الرائع”. الوثائق لم تتهمه بممارسة الجنس مع قاصرات، لكنها أكدت عمق العلاقة الاجتماعية بينهما قبل أن تتوتر.
- الأمير أندرو (دوق يورك): الاسم الأكثر جدلاً. اتهمته فيرجينيا جوفري بممارسة الجنس معها وهي قاصر في لندن، نيويورك، والجزيرة. تمت تسوية القضية مدنياً بمبلغ ضخم، لكنه جُرد من ألقابه الملكية.
- إيهود باراك (رئيس وزراء إسرائيلي أسبق): ورد اسمه كزائر دائم لمنازل إبستين، واعترف بلقائه لأغراض تجارية وسياسية.
2. مشاهير هوليوود والموسيقى:
- مايكل جاكسون: ورد اسمه في الوثائق كزائر لمنزل إبستين في بالم بيتش، لكن الضحية ذكرت أنها لم تقم بتدليكه ولم يحدث شيء شائن معه.
- كيفن سبيسي: الممثل الشهير ورد اسمه كأحد ركاب طائرة إبستين.
- ليوناردو دي كابريو: ذكر اسمه في سياق حديث هاتفي، حيث نفى الشهود مقابلته في الجزيرة، مما يشير إلى أن إبستين كان يستخدم أسماء النجوم للتفاخر أمام الضحايا.
3. علماء ورجال أعمال:
- ستيفن هوكينج: عالم الفيزياء الشهير. ظهر اسمه في بريد إلكتروني يطلب فيه إبستين المساعدة في دحض مزاعم مشاركة هوكينج في “حفل جنسي للقاصرات” أثناء زيارته للجزيرة لحضور مؤتمر علمي.
- بيل غيتس: مؤسس مايكروسوفت. كانت له لقاءات عديدة مع إبستين بعد إدانته الأولى في 2008، زعم أنها كانت لأغراض خيرية، وهو ما اعتذر عنه لاحقاً واصفاً إياه بـ”الخطأ الجسيم”.
الفصل الخامس: السقوط والنهاية المريبة
- 2008: أدين إبستين لأول مرة بتهمة الدعارة لقاصر، لكنه حصل على “صفقة العمر” المثيرة للجدل التي سمحت له بقضاء 13 شهراً فقط في سجن مخفف مع السماح له بالخروج للعمل، بفضل المدعي العام حينها أليكس أكوستا.
- 2019: تم اعتقاله مجددا من قبل الفيدراليين في نيويورك بتهم الإتجار بالجنس.
- الوفاة: في 10 أغسطس 2019، عُثر على إبستين ميتاً في زنزانته. التقرير الرسمي قال “انتحار شنقا”، لكن تعطل الكاميرات ونوم الحراس أثار نظريات مؤامرة عالمية تقول بأنه “قتل لإسكاته” وحماية الأسماء الكبيرة.
الخاتمة: العدالة المنقوصة
رغم وفاة إبستين، استمرت المحاكمات. حكم على غيسلين ماكسويل في 2022 بالسجن 20 عاماً. الجزيرة بيعت وتم تحويل عائداتها لتعويض الضحايا. لكن السؤال الذي يظل معلقاً في أذهان الملايين: من أيضاً كان على تلك الجزيرة ولم يكشف عنه بعد؟ وهل سيدفع الكبار الثمن يوماً ما؟




