هل أصاب هؤلاء مسّ من الجنون؟ أم أن المتاجرة بقضايا الوطن أصبحت تقتضي اللعب على المكشوف؟ إن من يظن أن بإمكانه فصل المغاربة عن ملكهم إنما يطبل في فراغ، ويغرد خارج سرب التاريخ والواقع.
إن ما دونه المدعو “جيراندو” مؤخراً، ودعوته الصريحة والمباشرة لإسقاط الملكية، لم يكن زلة لسان، بل هو كشفٌ تام لحقيقة خطابه، وفضحٌ لسريرة من يتشدقون بمحاربة الفساد بينما تخفي صدورهم ما هو أعظم وأخطر. لقد أثبت بانتقاله من شعار “محاربة الفساد” إلى المطالبة بهدم مؤسسات الدولة، أن ادعاءاته السابقة لم تكن سوى غطاء هش لعداء عميق ومقيت للنظام ككل، وليس للممارسات الفاسدة كما كان يدعي.
لسنوات طوال، بنى هذا الشخص صورته المزعومة كـ “مناضل وشرس ضد الفساد”، في حين أن تقارير صحفية عديدة توثق استغلاله البشع لهذا الشعار النبيل في ممارسات الابتزاز، تصفية الحسابات، وتحقيق المكاسب الشخصية. بل وصل به الأمر إلى نسج نظريات مؤامرة واهمة حول انقلابات وسيناريوهات خيالية، فقط من أجل حصد “المشاهدات” وتكديس الأموال على حساب استقرار الوطن.
إن اعترافه الصريح اليوم يفضح نفاقه المزدوج في نقطتين جوهريتين:
أولاً: أنه لم يؤمن يوماً بـ “الإصلاح من داخل المؤسسات”، بل كان يضمر نية التدمير والهدم. ورغم أنه حاول مراراً تسويق نفسه كصاحب غيرة وطنية لا يبتغي سوى “تصحيح المسار”، إلا أن الحقيقة أثبتت أنه يحمل معاول الهدم لا أدوات البناء.
ثانياً: استغلاله الدنيء لمشاعر المواطنين ونقمتهم الطبيعية على الفساد، واستعمالها كأداة للمتاجرة السياسية والإعلامية. لقد تكشف اليوم أن هدفه الحقيقي والمبيت هو ضرب رمز الدولة الأول واستقرارها، وليس تنظيفها من الفاسدين.
بهذا المعنى، فإن انزلاقه الأخير لا يمثل “تطوراً” في موقفه السياسي، بل هو السقوط المدوي للقناع الأخير. فمن يطالب بإسقاط الملكية بعد سنوات من التخفي خلف شعار “محاربة الفساد”، يعلن صراحة وبلا مواربة أنه كان يمارس التضليل الممنهج، وأن نضاله المزعوم لم يكن سوى مشروع ارتزاق شخصي يلبس جلباب الوطنية، بينما هو في جوهره مشروع حقد دفين على الوطن ومؤسساته.
المهداوي.. الوجه الآخر لنفس العملة
وعلى نفس الدرب، وفي حالة مطابقة تماماً لنظيره في النفاق وحمل معاول الهدم، يبرز اسم “المهداوي”. هذا الأخير الذي صُنعت له إعلامياً صورة “الصحفي الجريء والمشاكس ضد الفساد”، لتأتي التسريبات المتداولة وتنسف هذه الصورة الوهمية من الأساس.
لقد أظهرت تلك التسريبات حديثاً صريحاً ومرعباً عن “معركة مع النظام الملكي”، وأن الوطنية المعلنة ما هي إلا “تكتيك مرحلي” تفرضه الضرورة. لقد فُضح المستور: يجب استغلال ملفات الفساد كحطب لحشد المغاربة ضد الملكية. بل إن اعترافه بالتحرك والتنسيق مع “أشخاص يتصارعون مع النظام”، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن “مناهضة الفساد” ليست سوى واجهة كاذبة لرهان سياسي وتخريبي أخطر بكثير.
خلاصة السقوط
عندما نضع هذين النموذجين جنباً إلى جنب، تتضح الصورة الجلية: كلاهما بنى شعبيته الوهمية على خطاب أخلاقي شعبوي (ضد الفساد، مع الشعب)، ثم انكشف أن جوهر المشروع هو ضرب شرعية النظام الملكي ومحاولة زعزعة الاستقرار. قد يختلف الأسلوب؛ فالأول يعتمد على تقلبات فجة وابتزاز إعلامي رخيص عابر للحدود، والثاني يختبئ خلف خطاب “حقوقي/صحفي” محلي تكفلت التسريبات بتمزيق عباءته.
كلاهما يعوّل على وهم أن “ذاكرة المغاربة قصيرة”، فيبدلون المواقف أو يخفونها في الجلسات المغلقة، معتقدين أن همس الغرف المظلمة لن يخرج لضوء النهار. لكن التسريبات التي زلزلت صورة المهداوي، تماماً كالمقالات والفيديوهات التي تتبعت وتوثق مسار جيراندو، جعلت مشروعهما التخريبي مفضوحاً وعارياً أمام الرأي العام المغربي.
في النهاية، يجب أن نعي جيداً أن الحديث عن “محاربة الفساد” في قواميس هذه النماذج المارقة، ليس مشروعاً وطنياً صادقاً لبناء دولة الحق والقانون، بل هو مجرد أداة تعبئة واستقطاب خبيثة، تُستعمل اليوم لاغتيال السمعة وتشويه المؤسسات، وتُجهز غداً – إن استطاعوا، ولن يستطيعوا – لمحاولة إسقاط الدولة ذاتها، بدءاً من رأسها ورمز وحدتها وضامن استقرارها: المؤسسة الملكية.




