“عندما يفر الجميع من الخطر، يتقدمون هم بخطى ثابتة نحو الموت لإنقاذ الحياة.”
في كل مرة تدوي فيها صفارات الإنذار في شوارع المدن المغربية، تنقبض القلوب وتتجه الأنظار نحو تلك الشاحنات الحمراء التي تشق طريقها وسط الزحام. بالنسبة للمواطن العادي، يمثل هذا الصوت إنذاراً بخطر محدق، أما بالنسبة لرجال ونساء الوقاية المدنية، فهو نداء الواجب الذي قد يكلفهم أرواحهم.
يغوص هذا التحقيق في أعماق جهاز الوقاية المدنية بالمملكة المغربية، متتبعاً مسار تأسيسه، ومفككاً طبيعة أدواره المعقدة، ونسلط الضوء بمهنية على حجم المعاناة والمخاطر التي يواجهها هؤلاء الأبطال يومياً على خطوط التماس.
لم يكن ميلاد جهاز الوقاية المدنية في المغرب وليد اللحظة، بل هو ثمرة مسار طويل من التطور. بعد استقلال المملكة عام 1956، ظهرت الحاجة الملحة لتأسيس جهاز وطني منظم قادر على حماية الأرواح والممتلكات. تأسست المفتشية العامة للوقاية المدنية لتبدأ مسيرة توحيد الجهود التي كانت مشتتة بين فرق إطفاء محلية بسيطة.
مع مرور العقود، لم يعد الأمر يقتصر على “رجال إطفاء”، بل تم جمع وتأهيل فرق متخصصة تحت لواء “المديرية العامة للوقاية المدنية” التابعة لوزارة الداخلية. أصبح الجهاز اليوم يضم:
– فرق مكافحة الحرائق: المتخصصة في حرائق الغابات والمباني والمصانع.
– فرق الإنقاذ والبحث (USAR): للتدخل أثناء الزلازل وانهيارات المباني.
– فرق الغطس والإنقاذ المائي: للتدخل في الفيضانات وحوادث الغرق.
– الفرق الطبية وشبه الطبية: لتقديم الإسعافات الأولية ونقل المصابين.
إن دور الوقاية المدنية المغربية يتجاوز التدخلات الروتينية ليمثل صمام الأمان الاستراتيجي للدولة.
وقد تجلى هذا الدور بوضوح في محطات مفصلية، لعل أبرزها زلزال الحوز (سبتمبر 2023)، حيث كانت عناصر الوقاية المدنية في طليعة المتدخلين لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، وفتح الطرق الجبلية الوعرة، وتقديم الدعم النفسي والطبي. كما تلعب دوراً استباقياً من خلال مراقبة معايير السلامة في المنشآت وتوعية المواطنين.
وراء الزي الموحد والتدخلات البطولية، تقبع حقيقة قاسية تتطلب تسليط الضوء عليها. من خلال التقصي في واقع العمل اليومي لعناصر الوقاية المدنية، تبرز عدة تحديات ومخاطر مهنية المخاطر الجسدية المباشرة و يواجه العناصر يومياً خطر الحروق البليغة، الاختناق بالغازات السامة، وانهيار الأسقف المشتعلة و الضغط النفسي (Trauma) كما يتعامل المنقذون بشكل متكرر مع مشاهد قاسية (حوادث سير مروعة، جثث متفحمة، ضحايا كوارث طبيعية). هذا التعرض المستمر يولد تراكمات نفسية تتطلب مواكبة طبية متخصصة ومستمرة
تحديات الموارد البشرية واللوجستية: رغم التحديث المستمر الذي يشهده القطاع بتعليمات ملكية، إلا أن التوسع العمراني والتزايد السكاني يفرضان ضغطاً هائلاً على العناصر الحالية. نظام المناوبات الطويل وحالة التأهب القصوى (التي قد تمتد لـ 24 أو 48 ساعة متواصلة في أوقات الذروة) يستنزف طاقات هؤلاء الرجال والنساء.
إن الوقوف على حجم التضحيات التي يقدمها جهاز الوقاية المدنية في المغرب يفرض على المجتمع والدولة وقفة إجلال واحترام. هؤلاء ليسوا مجرد موظفين يؤدون مهامهم، بل هم فدائيون يضعون أرواحهم على أكفهم في كل وردية عمل.
الإشادة بهم لا يجب أن تقتصر على الكلمات، بل يجب أن تترجم إلى وعي مجتمعي يسهل مهامهم (كإفساح الطريق لسياراتهم، وتجنب التجمهر في مواقع الحوادث)، وإلى استمرار في تحسين أوضاعهم المهنية والمادية، وتوفير أحدث المعدات لحمايتهم أثناء أداء واجبهم.




