في مفارقة صارخة بين الخطابات الرسمية والواقع المرير، تحول قسم المستعجلات بمستشفى الغساني بمدينة فاس إلى نقطة سوداء تُسائل المنظومة الصحية ببلادنا. ففي الوقت الذي يشدد فيه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على ضرورة تجويد الخدمات الصحية وحفظ كرامة المواطن، وفي خضم وعود السيد وزير الصحة، أمين التهراوي، بإعادة هيكلة وتنظيم القطاع، يبدو أن مستشفى الغساني يغرد خارج السرب، ويفرض على المواطنين المقهورين سياسة “اللامبالاة والإهمال”.
مساء اليوم، وفي تمام الساعة السابعة وأربعين دقيقة (19:40)، كانت ردهات المستعجلات شاهدة على مشهد يندى له الجبين، عاينته جريدة “فايس بريس” عن كثب. مريض يصارع من أجل التقاط أنفاسه في حاجة ماسة لتدخل طبي عاجل وأكسجين ينقذ حياته، ليصطدم بحائط بشري من حراس الأمن الخاص الذين تقمصوا دور “الآمرين الناهين”. وبكل برودة، كان الجواب الأوحد أمام حالة تفارق الحياة: “سير تسجل في الصندوق عاد أجي!”.
هذا المشهد العبثي لم يقابله أي استنفار طبي؛ بل على العكس، بدت الأطقم الطبية وشبه الطبية في حالة استرخاء تام. ممرضون في مقاعدهم، وطبيب غائب عن المشهد المهني منشغل بإتمام مكالماته الهاتفية الشخصية، تاركاً أنين المرضى كخلفية صوتية لواقع صحي متردٍ.
وإذا كان هذا هو حال الخطوط الأمامية للمستشفى، فإن الإدارة تبدو منفصلة تماماً عن الواقع. فالمدير الجهوي للصحة ينعم بالجلوس في مكتبه المكيف، بعيداً عن حرارة معاناة المواطنين في الطوابق السفلية. أما ما يُسمى بـ “خلية الإعلام والتواصل”، فرئيستها يبدو أنها اختارت سياسة “الآذان الصماء”، حيث لا مجيب على اتصالات الصحفيين واستفساراتهم، وكأن مهمة التواصل أصبحت مقتصرة على أوقات الرخاء فقط، أو ربما هي في “سبات عميق”.
إن ما يقع داخل مستشفى الغساني اليوم ليس مجرد خلل عابر، بل هو “إهمال مؤسساتي” ورسالة واضحة لا تحتاج إلى تشفير. لا داعي اليوم لإصدار بلاغات ترقيعية أو بيانات توضيحية من إدارة المستشفى، فكل شيء بات مكشوفاً أمام الرأي العام.
يا وزير الصحة، إن تنزيل ورش الحماية الاجتماعية وإصلاح القطاع لا يتم بالشعارات في القاعات المكيفة، بل بالنزول إلى الميدان ومحاسبة المستهترين بأرواح المغاربة. وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى للمواطن المقهور بمدينة فاس رب يحميه، في ظل مستشفى فقد أبسط مقومات “الصحة”.




