أكدت الخبيرة الإسبانية في شؤون المغرب العربي والجنوب العالمي، إيريني فرنانديز مولينا، أن الحفاظ على التفاهم والتعاون مع المغرب يمثل أمرا حتميا وشبه إلزامي لأي حكومة في إسبانيا، بالنظر إلى المصالح الاستراتيجية والمشتركة التي تربط البلدين في عدد كبير من الملفات.
وأوضحت فرنانديز مولينا، الأستاذة في مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة إكستر، خلال مشاركتها في برنامج بإذاعة “كوبي” الإسبانية، أن طبيعة العلاقة بين مدريد والرباط تفرض على الطرفين الحفاظ على قنوات التواصل، حتى في ظل وجود ملفات خلافية وحساسة، مشيرة إلى أن التعاون يمكن أن يترافق مع مواقف أكثر حزماً بشأن بعض القضايا التي تعتبرها مدريد خطوطاً حمراء.
وتكشف هذه التصريحات عن طبيعة العلاقة المغربية الإسبانية التي تبدو، في ظاهرها، محكومة بتباينات سياسية ومواقف متباينة حول عدد من الملفات، لكنها في العمق تقوم على شبكة واسعة من المصالح المتبادلة التي تجعل القطيعة أو المواجهة خيارا مكلفا للطرفين.
فالجغرافيا تفرض نفسها باعتبار المغرب أقرب جار جنوبي لإسبانيا، بينما تفرض المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية مستوى من التنسيق لا يمكن تجاوزه بسهولة.
وفي هذا السياق، يبقى ملف سبتة ومليلية من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين. فالمغرب لم يتخل عن موقفه التاريخي بشأن المدينتين، في حين تحرص إسبانيا على الحفاظ على الوضع القائم، إلا أن هذا الخلاف لم يمنع البلدين من بناء تفاهمات عملية حول ملفات أخرى أكثر إلحاحا، وهو ما جعل العلاقة تقوم على معادلة دقيقة: خلافات سياسية قائمة، يقابلها تعاون واسع في قضايا ذات أهمية مباشرة للأمن والمصالح المشتركة.
ومن أبرز المجالات التي تعكس هذا الترابط ملف الطاقة، فالعلاقات بين البلدين لم تعد تقتصر على المبادلات التجارية التقليدية، بل أصبحت الطاقة أحد مكونات الشراكة الاستراتيجية، سواء من خلال الربط الكهربائي أو التعاون في مجال الغاز والبنيات التحتية المرتبطة بالطاقة.
ويجعل هذا الترابط أمن الإمدادات واستقرار الشبكات ومواكبة التحولات الطاقية عناصر مشتركة في حسابات الرباط ومدريد.
ويبرز الغاز بشكل خاص باعتباره أحد المجالات التي فرضت فيها التحولات الإقليمية والدولية مزيدا من التعاون بين البلدين، حيث أصبحت البنية التحتية الإسبانية وقدراتها في استقبال وإعادة ضخ الغاز جزءا من المعادلة الطاقية المغربية، في وقت يسعى فيه المغرب إلى تنويع مصادر إمداداته وتعزيز أمنه الطاقي.
أما على المستوى الكهربائي، فإن الربط بين الشبكتين المغربية والإسبانية يشكل إحدى الأدوات العملية التي تعكس حجم الاعتماد المتبادل بين البلدين، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها قطاع الطاقة والانتقال نحو مصادر أكثر نظافة وتكامل الشبكات الإقليمية.
وتتجاوز الشراكة ذلك إلى المجال الأمني، حيث يشكل الأمن البحري أحد أبرز الملفات التي تفرض التعاون بحكم الموقع الجغرافي للبلدين. فالمضيق والواجهة المتوسطية والأطلسية تجعل المغرب وإسبانيا معنيين بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية، ومكافحة شبكات الجريمة المنظمة والتهريب، وحماية المصالح الاقتصادية المرتبطة بالموانئ والطرق التجارية.
وفي ملف مكافحة الإرهاب، راكم البلدان خلال السنوات الماضية تجربة مهمة في تبادل المعلومات والتنسيق الأمني، باعتبار أن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها بشكل منفرد.
ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب أهمية خاصة بالنسبة إلى إسبانيا وأوروبا، كما يجعل استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط جزءاً من الأمن الإسباني والأوروبي.
وينطبق الأمر نفسه على ملف الهجرة، الذي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية. فالمغرب يشكل أحد أهم الشركاء لإسبانيا في مواجهة الهجرة غير النظامية، سواء من خلال التعاون الأمني أو مراقبة السواحل أو تفكيك شبكات الاتجار بالبشر.
وفي المقابل، تظل إدارة الحدود والهجرة مرتبطة بشكل مباشر باستقرار العلاقات السياسية بين الرباط ومدريد.
ومن هنا، تبدو العلاقة المغربية الإسبانية أقرب إلى شراكة معقدة ومتعددة المستويات، لا يمكن اختزالها في ملف واحد أو خلاف واحد. فحتى عندما تظهر توترات بشأن سبتة ومليلية أو الصحراء المغربية أو بعض القضايا السياسية، تظل المصالح المشتركة في الطاقة والأمن والتجارة والهجرة والبحر والمواصلات حاضرة بقوة وتفرض استمرار الحوار.
وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، حيث يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه كقوة إقليمية وشريك دولي موثوق، بينما تحتاج إسبانيا إلى الحفاظ على استقرار جوارها الجنوبي وضمان استمرار التعاون في ملفات تمس أمنها المباشر ومصالحها الاقتصادية.
كما أن تطور العلاقات المغربية الأمريكية، وتوسع الشراكات الدولية للمغرب، يعززان موقع المملكة في الحسابات الجيوسياسية الغربية، وهو ما يجعل الرباط شريكا يصعب على مدريد تجاوزه أو التعامل معه بمنطق المواجهة المفتوحة.
وبالتالي، فإن التفاهم المغربي الإسباني ليس مجرد خيار دبلوماسي ظرفي، بل نتيجة مباشرة للجغرافيا وتداخل المصالح والتكامل المتزايد بين البلدين. فالمغرب وإسبانيا قد يختلفان في بعض الملفات، لكنهما يلتقيان في مصالح حيوية تجعل إدارة الخلافات عبر الحوار والتفاوض أكثر واقعية من تحويلها إلى صدام مفتوح.
وفي نهاية المطاف، تظل قاعدة الجوار أقوى من الخلافات العابرة، فيما تجعل شبكة المصالح المشتركة من الحفاظ على الشراكة ضرورة استراتيجية للطرفين. ولذلك، فإن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية يبدو مرهونا بقدرة الرباط ومدريد على تطوير نموذج يقوم على الفصل بين الملفات الخلافية والمصالح المشتركة، مع الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، خصوصاً في الطاقة والأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي والبحري.




