غلاء الأسعار في المغرب: لماذا لا يشعر المغاربة بانخفاض التضخم داخل السوق؟

فايس بريسمنذ ساعتينآخر تحديث :
قفة غذائية وفواتير وآلة حاسبة في منزل مغربي، صورة توضيحية لغلاء الأسعار

غلاء الأسعار في المغرب صار سؤالا يوميا داخل البيوت: ما الذي تشتريه الأسرة اليوم، وما الذي تؤجله إلى الأسبوع المقبل؟ بين القفة والنقل والسكن، تختلف وطأة الأسعار بحسب دخل كل أسرة وعادات استهلاكها.

ماذا تقول الأرقام الرسمية؟

أظهرت بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفع في غشت 2026 بنسبة 0.8% مقارنة بيوليوز. وزاد مؤشر المواد الغذائية 0.9% وغير الغذائية 0.7%. وشملت الزيادات الأسماك وفواكه البحر والحليب ومشتقاته والبيض بنسبة 2.8% لكل مجموعة، واللحوم 2.2%، والخضر 1%، بينما تراجعت الفواكه 1.9%.

في المقابل، انخفض المؤشر العام 0.3% مقارنة بغشت 2025. هذا لا يعني أن كل سلعة أصبحت أرخص أو أن القدرة الشرائية استعادت ما فقدته خلال سنوات سابقة. فالمؤشر يضم منتجات وخدمات كثيرة، وتختلف أوزانها في ميزانية كل بيت. كما أن تغير معدل التضخم لا يمحو تلقائيا الزيادات المتراكمة.

لماذا تختلف فاتورة الأسرة عن المؤشر؟

قد تنفق أسرة حصة كبيرة من دخلها على الكراء والغذاء والتنقل، بينما تنفق أخرى بنسب مختلفة. وتتغير أسعار الخضر والفواكه بحسب الموسم والمدينة والجودة. لهذا تفيد مقارنة سلة ثابتة من المنتجات، بالكمية والجودة نفسيهما، شهرا بعد شهر، أكثر من تعميم تجربة سوق واحد على المغرب كله.

وسجل مؤشر المحروقات ارتفاعا بنسبة 9.8% بين يوليوز وغشت، وفق المندوبية. ويمكن لارتفاع كلفة النقل أن يضغط على ميزانية الأسر والمهنيين، لكن انتقاله إلى أسعار باقي السلع ليس فوريا ولا متساويا؛ إذ تؤثر المنافسة والموسم وسلسلة التوزيع في الثمن النهائي.

ما الذي يحتاجه النقاش العام؟

تتطلب حماية القدرة الشرائية متابعة شفافة للأسعار وسلاسل التوزيع، وفحص المنافسة، وتقييم أثر إجراءات دعم الدخل على الأسر الهشة. ويبقى السؤال الأهم هو الفارق بين دخل الأسرة الشهري ومجموع فواتير الغذاء والسكن والنقل والعلاج. غلاء الأسعار في المغرب ليس رقما واحدا يصلح لوصف جميع البيوت.

هل يعني انخفاض التضخم أن الأسعار رجعت كما كانت؟

الخلط بين مستوى السعر ومعدل تغيره شائع. إذا ارتفع ثمن منتج لسنوات ثم ثبت شهرا، فهذا يعني توقف الزيادة خلال الشهر ولا يعني عودته إلى ثمنه القديم. وإذا انخفض مؤشر عام مقارنة بسنة سابقة، فقد تكون بعض مكوناته مرتفعة وأخرى منخفضة. لذلك لا يكفي رقم واحد للإجابة عن سؤال الأسرة حول قدرتها على شراء حاجياتها المعتادة.

تسجل المندوبية السامية للتخطيط حركة الأسعار وفق سلة واسعة من السلع والخدمات وأوزان إحصائية. أما الأسرة فتتعامل مع سلة تخصها هي. من ينفق نسبة كبيرة من دخله على الطعام سيشعر بارتفاع أسعار اللحوم والحليب أكثر ممن تنوعت مصاريفه. كما أن مدينة فاس مثلا سجلت في غشت ارتفاعا شهريا للمؤشر بنسبة 1%، بينما اختلفت النسب في مدن أخرى، بحسب التقرير نفسه.

كيف نقرأ فاتورة السوق؟

تساعد كتابة قائمة مشتريات متكررة، مثل الخضر والحليب والبيض والزيت والخبز، على مقارنة الأسعار على نحو أدق. ينبغي تثبيت الكمية والحجم والجودة، وتسجيل السوق والتاريخ. فقد يبدو ثمن عبوة أقل فيما انخفض وزنها، وقد يختلف ثمن منتج موسمي من أسبوع إلى آخر. هذه المقارنة المنزلية لا تحل محل المؤشر الرسمي، لكنها توضح أين يذهب دخل الأسرة.

ومن المهم الفصل بين الغلاء والتضخم والقدرة الشرائية. الغلاء وصف لمستوى الأسعار كما يشعر به الناس، والتضخم يقيس تغير مستوى الأسعار في فترة معينة، أما القدرة الشرائية فترتبط أيضا بالدخل. قد تكون زيادة الأجر أقل من زيادة نفقات أساسية، فيستمر الضغط رغم تحسن بعض المؤشرات العامة.

أي إجراءات يمكن متابعتها؟

يدور النقاش حول دخل الأسر، وتوفر السلع، وكلفة النقل، والمنافسة في سلاسل التوزيع. تحتاج الإجراءات إلى أهداف قابلة للقياس، مثل أثرها على فاتورة الأسر الهشة، لا إلى الاكتفاء بإعلان عام عن انخفاض التضخم. وتبقى الشفافية في عرض الأسعار والمقارنة بين الأسواق مفيدة للمستهلك، مع احترام اختلاف الجودة وتكاليف النقل.

وحين ترتفع أسعار المحروقات، كما حدث في مؤشر غشت، لا يعني ذلك تلقائيا أن جميع المواد الغذائية سترتفع بالنسبة نفسها. يتوقف الأثر على مسافة النقل وطبيعة السلعة وعدد الوسطاء وهوامش البيع. لهذا ينبغي اختبار أي تفسير شامل للغلاء بالأرقام، لا بافتراض سبب وحيد لكل تغير.

المصدر: المندوبية السامية للتخطيط، مؤشر أسعار الاستهلاك لغشت 2026.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة