بلكلوش عبدالاله
توصلت” فايس بريس” بنص مراسلة منظمة الشبيبة الاشتراكية للمنظمات الشبابية الاشتراكية بأوربا من أجل كشف الحقائق و دحض المغالطات التي تروج لها بعض الجهات الممثلة بالبرلمان الأوروبي، و التي قدمت مقترح قرار بإدانة المغرب على خلفية أحداث سبتة المحتلة.
نص المراسلة :
الرفيقات والرفاق الأعزاء
بعد التحية والسلام،
نتمنى من داخل منظمة الشبيبة الاشتراكية المغربية أن تجدكم رسالتنا هذه بخير وسلام. كما نغتنم هذه الفرصة من أجل أن نعبر لكم عن عظيم اعتزازنا بالعلاقات التاريخية التي تجمع حزبينا ومنظمتينا الشبيبتين.
كما يسعدنا أن نتوجه إليكم برسالتنا هذه حول موضوع شديد الأهمية الذي هو موضوع الهجرة وحقوق المهاجرين. هذا الموضوع الذي لا يكتسي شديد الأهمية فقط بالنسبة للمغرب دولة وشعبا، ولكن بالنسبة لكل المنطقة المتوسطية خصوصا في جانبها الغربي.
فكما ورد إلى علمنا من خلال وسائل الإعلام الأوربية فإن البرلمان الأوربي، وبضغط خاص من النواب الاسبان، يستعد الأسبوع المقبل إلى مناقشة والتصويت على قرار بشأن انتهاك محتمل لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل واستخدام المغرب للقصر في أزمة الهجرة لمدينة سبتة السليبة. هذه المدينة التي تقع بشمال المغرب والخاضعة للاحتلال الاسباني منذ سنة 1580 م، والتي تعتبرها المفوضية الأوربية أراض أوربية وحدودا جنوبية للاتحاد الأوربي.
إن عضوات وأعضاء البرلمان الأوربي يقومون بالتحقيق في مدى انتهاك المغرب لاتفاقيات حقوق الطفل بتهمة إرساله لآلاف الأطفال نحو مدينة سبتة السليبة، والتي تقع بمحاذاة مدينة الفنيدق، بهدف استخدامهم كأداة للضغط والابتزاز ضد الحكومة الاسبانية.
إن المغرب منذ اعتماده الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل سنة 1989 م وطوال أزيد من ثلاثين سنة على هذا الالتزام، حقق تقدما كبيرا في مجال حماية الطفولة. ويكفي أن ننظر في خطة التنمية المستدامة لسنة 2030، لنتأكد أن المغرب يولي مكانة خاصة لهذه الفئة من المجتمع، خصوصا بعد انخراط بلادنا في تفعيل مقتضيات إعلان وخطة العمل الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة المخصصة للطفل في ماي 2002، و المسماة ب << عالم جدير بأطفاله>>، حيث حرصت كل مكونات الدولة و المجتمع المدني على تقديم الدعم المتواصل لتنفيذ خطة العمل الوطنية للطفولة 2006- 2015 << مغرب جدير بأطفاله>>.
إن الادعاء أن المغرب يستعمل أطفاله أو ملف الهجرة في تصفية حسابات سياسية مع جيرانه يبقى عاريا عن الصحة لأسباب عديدة.
فالمغرب يولي أهمية كبيرة لمسألة هجرة القصر غير المصحوبين بذويهم. فلقد عمل دائمًا بشكل وثيق مع شركائه، خاصة الأوروبيين منهم، في إطار تعاون قائم على الوقاية والحماية والعودة المنسقة للقصر، وفقًا لالتزاماتها الدولية. ولقد أكد جلالة الملك، في 1 يونيو 2021، التزام المغرب الواضح والحازم بقبول عودة القصر غير المصحوبين الذين تم تحديدهم حسب القواعد والمعايير المتعارف عليها. كما وضع المغرب آليات تعاون لهذا الغرض مع بعض البلدان الأوربية، لا سيما فرنسا وإسبانيا، مما أدى إلى عودة عشرات القصر إلى المغرب. إلا أن هذه الآليات واجهت عقبات عديدة على مستوى التنفيذ بسبب القيود الناجمة عن الإجراءات والمساطر المعقدة ببعض بلدان الإتحاد الأوربي.
و لقد كان المغرب دائم الالتزام بالمعاهدات الدولية التي صادق عليها وانخرط فيها بشكل جدي ومسؤول طيلة عقود من الزمن. فلقد كان المغرب من الدول السباقة للتوقيع على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر1990 ؛ والتي أودع المغرب وثائق المصادقة عليها بتاريخ 21 يونيو 1993. كما أن المغرب استمر في بذل مختلف الجهود والتنسيق مع مختلف الأطراف من أجل ضمان حماية حقوق المهاجرين ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر خصوصا منهم المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء. هذه الجهود التي تكللت بتنظيم المغرب للمؤتمر الحكومي الدولي لاعتماد الاتفاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ونظامية بمراكش سنة 2018.
بالإضافة إلى ذلك فإن المغرب يشارك بقوة في جميع عمليات التشاور والتعاون الإقليمية والدولية بشأن الهجرة (الحوار الرفيع المستوى بشأن الهجرة والتنمية، وعملية فاليتا، وعملية الرباط، وحوار 5 + 5.
ولا شك أننا كمنظمة سياسية يسارية وتقدمية شبابية منفتحة على مختلف مكونات المجتمع المدني المغربي، خصوصا منه المهتم بقضايا الهجرة واللجوء، كانت دائما لدينا تحفظات وملاحظات نقدية حول طبيعة الشراكة حول ملف الهجرة الذي يجمع كلا من المغرب والاتحاد الأوربي، وكذا الدور الذي يلعبه المغرب ضمن دول جنوب المتوسط في مكافحة الهجرة السرية وإيقاف جحافل المهاجرين غير النظاميين المتقاطرين على حدود المغرب من أجل العبور إلى الدول الأوربية. إن الإعلان الكوني لحقوق الانسان يؤكد على حرية حركة الانسان وتنقله في أنحاء المعمور دون قيد أو شرط يحرمه من هذا الحق. فلقد جاء في المادة 13 من الإعلان أن لكلِّ فرد حقٌّ في حرِّية التنقُّل وفي اختيار محلِّ إقامته داخل حدود الدولة. كما ورد أيضا في نفس المادة بالفقرة الثانية أن لكلِّ فرد حقٌّ في مغادرة أيِّ بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده.
فإذا كان المغرب قد اضطلع بدور مهم في حماية الحدود الجنوبية للدول الأوربية، فإن ذلك لا يعني أبدا أنه قد تحول إلى دركي حدود دائم لدى الاتحاد الأوربي. فالمغرب بحكم التزامه بالشراكة مع دول الاتحاد على صعيد كل المجالات، ساهم من الناحية الأمنية في التعاون مع دول الاتحاد من أجل إيقاف المخاطر المرتبطة بالهجرة غير النظامية والسرية، والتي قد تؤدي إلى مقتل العديد من الأبرياء الذين يريدون العبور نحو الضفة الشمالية. بل إن الدولة المغربية سعت إلى التأسيس لسياسة جديدة للهجرة واللجوء، من أجل ضمان حقوق أكثر وأكبر للمهاجرين المتقاطرين على المغرب، رغم كون أن المغرب لا زال يعتبر بلد عبور للعديد من المهاجرين من الأفارقة جنوب الصحراء. إلا أن الشراكة بمفهومها الصحيح لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن تكون لفائدة طرف واحد دون الطرف الأخر. فالشراكة بين المغرب والاتحاد الأوربي لطالما بنيت على أسس متينة قوامها الاحترام المتبادل والثقة ومراعاة المصالح الخاصة لكل طرف.
لقد أسفر التعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الفارطة عن نتائج مهمة، لا سيما في إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية. على سبيل المثال، منذ عام 2017، أدى هذا التعاون إلى منع أكثر من 280 ألف محاولة هجرة غير نظامية، وتفكيك أكثر من 1020 شبكة تهريب منذ عام 2017، ومنع حوالي 50 محاولة اعتداء على سبتة ومليلية، وإنقاذ أكثر من 80،500 مهاجر في البحر. ورغم النتائج الإيجابية التي تصب معظمها في مصلحة دول الاتحاد الأوربي، فإن المغرب يتحمل عبئًا ثقيلًا من حيث جهود تعبئة الموارد البشرية وتكاليف المراقبة على السواحل الشمالية، والتي تصل إلى حوالي 350و400 مليون يورو سنويًا. فالدعم المالي الذي يتلقاه المغرب من الاتحاد الأوروبي لو يغطي على مدى السنوات العشرين الماضية إلا نسبة 4٪ فقط من الجهود المغربية في مجال الهجرة.
إن المغرب كبلد مستقر وذو مصداقية، هو البلد الوحيد في الجوار الجنوبي للاتحاد الأوربي القادر على بناء نموذج شراكة شامل بين الشمال والجنوب، مما يعود بالفائدة على المنطقتين الأوروبية المتوسطية والأوروبية الأفريقية. فلقد حدد الإعلان السياسي المشترك لعام 2019 الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوربي كأحد الركائز الأساسية للاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط ، من أجل مواجهة تحديات مشتركة متعددة: كالصحة، والأمن، والمناخ، والرقمنة، والهجرة، إلخ. لذا فإن الحفاظ على هذه الشركة أمر أساسي لمستقبل ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
إن ما أقدمت عليه الحكومة الاسبانية بتنسيق مع الحكومة الجزائرية من أجل تسهيل دخول المدعو إبراهيم غالي زعيم جبهة البوليساريو بهوية مزورة، شكل لحظة صدمة بالنسبة للمغرب دولة وشعبا، خصوصا وأن المدعو إبراهيم غالي كان قد سبق له الإعلان عن إنهاء التزام الجبهة ونقض إتفاقية وقف إطلاق النار المعمول به منذ 1991 تحت رعاية الأمم المتحدة، وقام بإعلان الحرب على كامل التراب المغربي، وأتبعه بأعمال عدائية، تهدد أمن واستقرار المنطقة برمتها.
إن الحكومة الاسبانية بعملها هذا، استساغت لنفسها القيام بعمل عدائي تجاه المغرب دون داع أو مبرر. ورمت وراء ظهرها عقودا عديدة من التبادل الاقتصادي والتعاون الأمني حول ملفات حساسة يوجد على رأسها ملف الإرهاب ومكافحة الجرائم العابرة للحدود. للأسف فإن الحكومة الاسبانية الحالية لطالما حرصت على أن تظل مشكلة الصحراء المغربية قائمة، لكي يبقى المغرب منشغلاً بها، وتظل ورقة ضغط في يد إسبانيا تضغط بها على المغرب، لكيلا يفتح ملف المدينتين السليبتين سبتة ومليلية.
إن محاولة الحكومة الاسبانية استغلال الأحداث العفوية، التي أسفرت عن دخول مئات الأشخاص إلى مدينة سبتة السليبة، خصوصا بعد إغلاق معبر تارخال بين مدينة الفنيدق ومدينة سبتة السليبة بسبب تفشي وباء كورنا المستجد، بهدف تصفية حسابات سياسية ضد المغرب لأمر مؤسف للغاية. إذ لا يمكن أن تكون هذه المأساة الإنسانية موضوع مساومة سياسية. لذا فإن المبادرة التي أطلقتها بعض الأطراف الأوربية لإصدار قرار طارئ بشأن ” احتمالية انتهاك المغرب لاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل واستخدام السلطات المغربية للقصر في أزمة الهجرة في سبتة”، توجد في سياق من التوتر بين المغرب وإسبانيا، التي تسعى إلى “أوربة” أزمة سياسية ثنائية من خلال استغلال قضية الهجرة.
إن قرارا بهذا الشكل ستكون له نتائج عكسية على الطرفين، لأنه سيكون بمثابة إنكار لتعاون دام سنوات و لكل المكاسب المشتركة التي حققتها العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. كما أنه يمكن أن يضر بالشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي ويقوض جميع الجهود الدبلوماسية وجهود الحوار التي يقوم بها الطرفان.
إن هدفنا من خلال هذه الرسالة التوضيحية، هو تبيان حقيقة السياق الذي يقدم فيه مشروع هذا القرار الجائر، ودعوتكم من خلال تنظيماتكم ورفيقاتكم ورفاقكم بالبرلمان الأوربي إلى مراجعة هذه المواقف من أجل أن يلعب البرلمان الأوروبي دورًا تيسيريًا بين جانبي الخلاف، بدلاً من تفاقم الوضع المعقد بالفعل بين المغرب وإسبانيا.
لذا فإننا نهيب بكم بالتدخل العاجل من أجل إيقاف هذا القرار والمساهمة في الحفاظ على العلاقات المتينة التي تجمع كلا من المغرب ودول الاتحاد الأوربي، بهدف الاستمرار في الشراكة الناجحة ومواجهة التحديات الكبيرة التي تهم المصير المشترك بين بلدان وشعوب المنطقة.
وفي الأخير تقبلوا رفيقاتنا ورفاقنا الأعزاء فائق عبارات التقدير والاحترام.




