انقضت ليلة الفاجعة في بحي المستقبل ملحقة إدارية المسيرة بفاس، وبقي ركام عمارتي “العزيبة” شاهداً أبدياً على كارثة إنسانية أودت بحياة 19 روحاً بريئة وأصابت العشرات. وبينما تتشبث فرق الإنقاذ بالبحث عن بصيص أمل تحت الأنقاض، فإن الصدمة الحقيقية تكمن في مكان آخر: في الغياب المُخزي لمن انتخبهم الناس ليكونوا صوتهم وحصنهم في الشدة.
أين كان “البقالي” والمنتخبون حين سقط السقف؟
المشهد في موقع الحادث كان بليغاً ومُديناً: الوالي ووالي الأمن في عين المكان، يتابعون تفاصيل المأساة، بينما كان المقعد المخصص لممثل السلطة المنتخبة فارغاً، وكأن الأمر لا يعنيهم!
عمدة فاس، عبد السلام البقالي، اختفى عن الأنظار، وهاتفه ظل “يرن دون جواب” كما لو كان هروباً من مواجهة الواقع الأليم. هذا الغياب ليس مجرد “تأخر غير مبرر”؛ إنه إدانة صريحة وشهادة وفاة أخلاقية للمسؤولية.
كيف يغيب العمدة والمنتخبون في اللحظة التي تتشح فيها مدينتهم بالسواد؟ أين دورهم في مواساة الأسر المكلومة؟ وأين إشرافهم المباشر على الأزمة؟ يبدو أن “خدمة الصالح العام” بالنسبة لهم تنتهي عند الفوز بالصندوق، لتبدأ مرحلة إغلاق الهواتف عند أول نداء استغاثة. إن صمتهم وهروبهم هو “انهيار ثانٍ” لا يقل فداحة عن انهيار العمارتين.
طوابق الجشع: من شرعن البناء القاتل؟
لكن الغياب المذل للمسؤولين ليس سوى غيض من فيض. فالمعلومات تؤكد أن البنايات المنهارة تندرج ضمن برنامج إعادة الإيواء، ما يعني أنها حديثة نسبياً. السر القاتل يكمن في “جشع الطوابق غير المرخصة”. فمن الذي سمح بـ”تثبيت قنابل موقوتة” على هياكل لم تصمم لتحملها؟
هنا تتصاعد الأسئلة الثقيلة التي لا يمكن تجاوزها كيف تم غض الطرف عن تشييد طوابق إضافية غير قانونية؟ و كيف حصلت هذه الشقق المخالفة على الربط بالماء والكهرباء، رغم أن القانون يمنع ذلك إلا بعد مطابقة الرخصة الأصلية؟ و أين كانت لجان المراقبة التابعة للمجلس الجماعي والسلطة المحلية طوال هذه السنوات؟
إنها ليست مجرد أخطاء فردية، بل هي اختلالات تعميرية ممنهجة، تشير بوضوح إلى تراخٍ أو تواطؤ في ملفات البناء غير القانوني التي طالما حذر منها الفاعلون المحليون. الفاجعة تعيد فتح هذا الملف بقوة، وتجعل كل مسؤول غائب أو مُقصِّر شريكاً في هذه الجريمة الإنسانية.
إن أرواح ضحايا حي المستقبل بملحقة إدارية المسيرة تستحق أكثر من بيان تعزية بارد؛ إنها تطالب بمحاسبة حقيقية تبدأ من تحديد المسؤولين عن التساهل في المراقبة، وتنتهي بمساءلة كل منتخب أغلق هاتفه وخذل مدينته في أحلك الظروف.




