في قلب تلال مقدمة الريف، تقف منطقة “تيسة” شامخة كحارسة أمينة لتراث قبائل “الحياينة” العريق. هنا، لا يعد الحصان مجرد حيوان أليف، بل هو رفيق درب، ورمز عزة، وجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية. وفي خضم هذا الزخم التراثي، تبرز “جمعية الوفاق للفروسية والتنمية” كحجر الزاوية في الحفاظ على فن “التبوريدة”، محولةً إياه من طقس احتفالي عابر إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والإشعاع الثقافي.
لا يمكن الحديث عن الفروسية في تيسة دون استحضار عبق التاريخ، وتحديداً “معركة واد لبن” الخالدة (1558م) بإقليم تاونات. تلك المعركة التي شكلت منعطفاً حاسماً في تاريخ المغرب، حيث واجه المغاربة ببسالة الأطماع الخارجية. إن صهيل الخيول الذي دوى في واد لبن قديماً دفاعاً عن الوطن، هو نفسه الذي يتردد صداه اليوم في “محرك” تيسة، لكن هذه المرة احتفالاً بالسلم والهوية، عبر فن “التبوريدة” الذي صنفته اليونسكو تراثاً عالمياً، والذي يجسد التلاحم بين الفارس وجواده والبارود في لوحة فنية تخطف الأنفاس.
منذ انطلاق أول دورة لمهرجان التبوريدة بتيسة، حملت “جمعية الوفاق للفروسية والتنمية” على عاتقها مسؤولية جسيمة. لم يكن الهدف مجرد تنظيم مهرجان سنوي، بل مأسسة هذا التراث وضمان انتقاله من جيل “الشيوخ” إلى جيل “الشباب”.
و تلعب الجمعية دور “الضامن” لاستمرارية التقاليد، من خلال دعم “السربات”، وتوفير الظروف اللوجستية، والحرص على احترام طقوس التبوريدة الأصيلة (الهدة، الطلقة، واللباس التقليدي).
و يقف وراء هذا النجاح المستمر رجل ارتبط اسمه بخدمة المنطقة، محمد السلاسي، رئيس الجمعية. بفضل رؤيته الاستشرافية، انتقل المهرجان من طابع محلي إلى حدث وطني ودولي. يحرص السلاسي شخصياً على أن تكون كل دورة أفضل من سابقتها، مؤمناً بأن الحفاظ على الموروث الثقافي هو الوجه الآخر للتنمية المستدامة. تحت إشرافه، أصبحت الجمعية مدرسة لترسيخ قيم المواطنة والاعتزاز بالانتماء لدى الناشئة.
و يتجاوز دور الجمعية البعد الثقافي ليلامس الواقع الاقتصادي لجماعة تيسة. خلال أيام المهرجان، تدب الحياة في شرايين المنطقة؛ حيث تنتعش الحركة التجارية، وتروج الصناعة التقليدية (السروج، البنادق، الخيام)، وتمتلئ مطاعم والمقاهي. إنه موسم الرواج الاقتصادي بامتياز، الذي ينتظره السكان بفارغ الصبر.
كما يشهد المهرجان حضوراً وازناً لشخصيات بارزة، وعلى رأسهم عامل إقليم تاونات، والمنتخبين، وفعاليات المجتمع المدني، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا الحدث في أجندة الإقليم.
و يتزامن مهرجان الفروسية مع موسم الولي الصالح “سيدي بلحسن”، مما يضفي صبغة روحانية على الاحتفالات. وتتجلى قمة العناية المولوية السامية في حضور الحاجب الملكي لتسليم الهبة الملكية الكريمة للشرفاء، وهو تقليد سنوي يجدد روابط البيعة والوفاء، ويزيد من إشعاع المنطقة دينياً واجتماعياً.
و تكتسي الدورة القادمة (35) طابعاً استثنائياً، إذ تتزامن رمزياً مع استعدادات المغرب لاحتضان كأس أمم إفريقيا (النسخة 35). هذه “المزامنة الرقمية” ليست مجرد صدفة، بل إشارة قوية يلتقطها السيد محمد السلاسي والجمعية لربط أمجاد الرياضة بأصالة التراث.
في الدورة 35، ستكون تيسة على موعد مع التاريخ، لتؤكد أن المغرب، وهو يتطلع للمستقبل بتنظيم كبريات التظاهرات القارية، يظل متمسكاً بجذوره الضاربة في عمق الأرض، حيث تظل جمعية الوفاق الحصن المنيع الذي يحمي هذا الإرث الجميل.




