كاظم بوطيب
مع كل زخة ثلج وموجة برد قارس، يعود إقليم بولمان ليتصدر المشهد، ليس بجمال جباله المكسوة بالبياض، بل بصرخات ساكنة تعيش العزلة والتهميش. مشهد يتكرر سنوياً: طرق مقطوعة، أسر تنزوي خلف جدران لا تقي برد الليالي الطويلة، وانتظار مرير لـ “قفة” أو “بطانية” قد تجود بها يد المساعدات، في مقابل صور لمسؤولين ينعمون بدفء المكيفات، مما يكرس شعوراً حاداً بالدوار المتفاوتة بين “المغرب المنسي” و”المغرب الرسمي”.
تتواتر الشهادات من الدواوير البعيدة لترسم لوحة من الإقصاء؛ فبينما تحظى المناطق القريبة من المراكز الحضرية بتغطية إعلامية وقوافل مساعدات، تبقى الدواوير النائية خارج حسابات التوزيع. يروي أحد السكان بحرقة: “نسمع عن المساعدات في التلفاز، لكن مسالكنا مقطوعة، وبطانياتنا نفدت، ولم يطرق بابنا أحد”. هذا الواقع دفع بشباب المنطقة إلى تنظيم مبادرات ذاتية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في ظل غياب استراتيجية رسمية استباقية.
وفي شهادة صادمة تلخص حجم الهوة بين الإدارة والمواطن، يروي شيخ مسن معاناة دواره مع إغلاق المسجد الوحيد منذ جائحة كورونا. يقول الشيخ: “مُنعنا من ترميمه أو بنائه بدعوى قوانين التعمير التي تُطبق في الدار البيضاء.. حتى في أشد الصراعات تُحترم بيوت الله، ونحن هنا محرومون من أبسط حقوقنا الروحية”.
ورغم تبرير المصادر الرسمية لهذا التفاوت بـ “الصعوبات اللوجستية”، إلا أن الفعاليات المحلية تؤكد أن المشكلة تكمن في “سوء التنسيق وانعدام الشفافية”. غياب لوائح معلنة للمستفيدين يفتح الباب واسعاً أمام “المحسوبية السياسية”، حيث يؤكد مواطنون أن بعض القوافل تُوجه لدواوير بعينها بناءً على ولاءات انتخابية، بينما يُترك الضعفاء لمواجهة مصيرهم مع الصقيع.
يرى مراقبون أن الحل في بولمان لم يعد يقتصر على “حلول ترقيعية” أو مساعدات موسمية، بل يتطلب ثورة بنيوية تشمل:
- فك العزلة: توفير آليات دائمة لإزاحة الثلوج وصيانة الطرق الجبلية.
- الشفافية المطلقة: نشر قوائم المستفيدين وتقارير ميزانيات التدخل لقطع الطريق على “الانتهازية”.
- الكرامة الإنسانية: توفير مراكز إيواء مجهزة وتسهيل مساطر بناء المرافق الحيوية (المساجد والمدارس) بما يراعي خصوصية المنطقة لا تعقيدات الحواضر.
إن “برد بولمان” لا يفرق بين الأجساد، لكن سياسات التدبير هي من تفرق بين المواطنين. إن الساكنة اليوم لا تطالب بصدقة، بل تطالب بحقها في الكرامة، وفي إدارة تدرك أن المسؤولية تكليف وليست تشريفاً خلف المكيفات، بينما يقبع “المغرب العميق” في “تلك البقعة المنسية خلف الظهر”.




