لم يحتج العالم إلى جيوش جرارة أو أساطيل حربية ليكتشف هشاشة ما يُسمى بـ”نظام القوة الضاربة” في الجزائر؛ بل كان يكفي تقريرٌ تلفزيوني واحد، بثته قناة فرنسية، ليُدخل “قصر المرادية” في حالة من الهستيريا الدبلوماسية والرعب السياسي. لقد سقط القناع مجدداً، وكشف البيان الانفعالي لوزارة الخارجية الجزائرية عن حقيقة نظام يرتعد من كلمة الحق، ولا يمتلك مناعة الصمود أمام مرآة الإعلام الحر التي عكست عوراته أمام الملأ.
إن المشهد المثير للشفقة الذي ظهرت به الدبلوماسية الجزائرية وهي تستجدي “الاحترام” من خلال استدعاء القائم بالأعمال الفرنسي، يكشف عن انفصام عميق في شخصية النظام. فهذا النظام الذي أدمن، لسنوات طوال، تسخير أبواقه الإعلامية الرسمية والمأجورة لمهاجمة المغرب، ورموزه السيادية، ووحدته الترابية بأقذع النعوت، يقف اليوم عاجزاً، باكياً، وشاكياً، بمجرد أن تجرع جرعة واحدة من الكأس التي طالما حاول سقيها للمغاربة.
إنه منطق “حلال علينا، حرام عليكم” الذي لم يعد ينطلي على أحد. فكيف لنظام لا يحترم سيادة جيرانه ولا يتورع عن التدخل في شؤونهم، أن يطالب بالحصانة من النقد؟ الحقيقة أن “القوة الضاربة” المزعومة تبخرت بمجرد أن وُضعت تحت مجهر المهنية الإعلامية.
و يبدو أن الوجع الذي أحدثه تحقيق “فرانس 2″ لم يكن سياسياً بقدر ما كان شخصياً وعائلياً؛ فقد ضرب التقرير في الصميم، متجاوزاً الخطوط الحمراء التي رسمها العسكر لشعبهم المغلوب على أمره. إن وصف الرئيس عبد المجيد تبون بـ”Voyou” (البلطجي)، وإعادة نبش ملف نجله خالد المرتبط بفضائح “الكوكايين”، لم يكن مجرد توصيف عابر، بل كان تعرية أخلاقية لهيبة “الرئاسة”.
لقد جن جنون النظام ليس لأن التقرير كذب، بل لأنه ـــ وكما أشار الناشط المعارض وليد كبير ـــ أصاب مكمن الألم. فالبيان الجزائري المرتبك لم يقدم دليلاً واحداً لتفنيد ما ورد في التحقيق، بل اكتفى بإنشاء أدبي ركيك حول “المؤامرات”، مما يؤكد ضمنياً صحة ما ورد في التقرير الفرنسي. فالصراخ، في عرف الدبلوماسية، هو سلاح الضعيف الذي لا يملك الحجة.
لم يتوقف السقوط عند حدود الغضب من النعت بـ”البلطجة”، بل كشف التحقيق عن وجه استخباراتي قبيح لنظام يحاول ملاحقة معارضيه حتى فوق التراب الأوروبي، في انتهاك صارخ لسيادة الدول. وكما أوضح وليد كبير، فإن تعقب المعارضين ومحاولة تجنيدهم قسراً في فرنسا يعد “جريمة” وفضيحة مدوية، تظهر أن النظام العسكري لا يؤمن بمنطق الدولة، بل يتصرف بعقلية العصابة التي تلاحق الفارين من جحيمها.
إن رد الفعل الصبياني المتمثل في استدعاء دبلوماسي بسبب برنامج تلفزيوني، يؤكد أن الجزائر تحكمها “عصبة” تعيش خارج الزمن، لا تفرق بين الإعلام المستقل والقرارات السيادية للدول. لقد أثبتت “فرانس 2” أن هذا النظام، الذي يدعي القوة والأنفة، هو في الحقيقة نمر من ورق، يحترق بأول شرارة نقد، ويتهاوى عند أول مواجهة مع الحقيقة.
ويبقى السؤال المطروح ليس حول مصداقية التقرير، فهي واضحة وضوح الشمس، بل حول المدة التي سيستطيع فيها هذا النظام الاستمرار في خداع نفسه قبل شعبه، في وقت أصبح فيه وصف “البلطجة” و”الكوكايين” ملتصقاً بأعلى هرم في السلطة.




