عنتريات تذوب في مدريد: كيف تحول “الخط الأحمر” الجزائري إلى بساط أحمر لألباريس؟

فايس بريس19 مارس 2026آخر تحديث :
عنتريات تذوب في مدريد: كيف تحول “الخط الأحمر” الجزائري إلى بساط أحمر لألباريس؟

بقلم أخزو زهير 

في مشهد دبلوماسي يثير السخرية أكثر مما يثير الشفقة، يبدو أن “الحنجرة” الدبلوماسية الجزائرية قد أُصيبت فجأة ببحّة مفاجئة! فبعد شهور من الخطاب الصدامي العالي والتهديدات الرنانة، تأتي الأنباء من مدريد لتؤكد أن قصر المرادية يفرش الآن البساط الأحمر لاستقبال وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في الأسبوع الأخير من شهر مارس الجاري. زيارةٌ لا يمكن قراءتها إلا بوصفها “انعطافة يائسة” لمحاولة فك عزلة دولية باتت تخنق صانع القرار في الجزائر.

هذه الزيارة، وهي الأولى لألباريس بصفته رئيساً للدبلوماسية الإسبانية، تهدف – ويا للمفارقة – إلى التحضير لقمة رفيعة المستوى بين رئيس الحكومة بيدرو سانشيز والرئيس عبد المجيد تبون. نعم، هو سانشيز نفسه الذي افتعلت الجزائر بسببه أزمة دبلوماسية “عاصفة” لمجرد دعمه الصريح لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. فجأة، تبخر ذلك الموقف الذي صُدّعنا به لعقود كـ “خط أحمر” في العقيدة الجزائرية، بمجرد أن اصطدمت هذه الدبلوماسية بجدار الموقف الإسباني الصلب والاعتراف الدولي المتدفق بمغربية الصحراء.

و يبدو أن التوجه الجزائري الجديد نحو “التهدئة” مع مدريد – والذي سبقه غزل هاتفي مفاجئ مع باريس – يشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن قصر المرادية قد ابتلع كبرياءه ورضخ للأمر الواقع.

فالجزائر التي توهمت طويلاً أن لغة “المقاطعة” وسلاح “الابتزاز الطاقي” سيجعلان أوروبا تركع، استيقظت لتجد نفسها تغرد خارج السرب الدولي.

وجاء القرار الأممي رقم 2797 ليكون بمثابة “رصاصة الرحمة” الدبلوماسية، مكرساً واقعية المقترح المغربي ومعترفاً ضمنياً بسيادة المملكة، ليترك المواقف الجزائرية المتشنجة تبدو وكأنها نكتة دبلوماسية سمجة من حقبة الحرب الباردة.

لم يأتِ هذا “النزول الاضطراري من الشجرة” من فراغ، بل جاء تحت ضغط كابوس التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي أسقطت حلفاء الأمس واحداً تلو الآخر. فمن الانهيار المدوي لنظام بشار الأسد في سوريا، إلى إسقاط نظام مادورو في فنزويلا، وصولاً إلى الزلازل السياسية التي تعصف بالنظام الإيراني؛ وجدت الجزائر نفسها تفقد أوراق لعبها البالية، لتقف وحيدة تتأمل أطلال جبهة “الممانعة” الوهمية.

وفي ظل هذا التخبط، فإن قمة “تبون-سانشيز” المرتقبة، سواء نُصبت خيامها في مدريد أو الجزائر، ليست سوى عملية تجميل فاشلة لترميم ما تبقى من ماء الوجه، ومحاولة للبحث عن مخرج طوارئ من “الجمود” الذي حشرت الدبلوماسية الجزائرية نفسها فيه. وتأتي هذه الخطوة في توقيت مفصلي وعقب بدء المفاوضات بين طرفي النزاع بمقر السفارة الأمريكية بمدريد في فبراير الماضي، مما يعكس حالة ارتباك واضحة.

وبينما ستحاول أبواق المرادية تصوير ملفات الهجرة وتأمين إمدادات الغاز كـ “انتصارات تقنية”، يبقى الجوهر السياسي ساطعاً كالشمس: إنه اعتراف جزائري مُذل ومضمر بفشل سياسة “النباح والمواجهة” أمام قطار الدبلوماسية المغربية السريع. هي ببساطة بداية رحلة التكيف الإجباري مع واقع إقليمي ودولي، قذف بالأطروحات الانفصالية إلى سلة مهملات التاريخ.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة