في سياق التحولات المتسارعة التي يعرفها تدبير الشأن العام بالمغرب، يبرز المجتمع المدني كفاعل أساسي يسعى إلى تجاوز أدواره التقليدية نحو التأثير الفعلي في السياسات العمومية. وفي هذا الإطار، شكل اللقاء التواصلي المنظم في شكل مائدة مستديرة مناسبة هامة لفتح نقاش عميق حول أدوار المجتمع المدني، خاصة في مجالات تتبع السياسات العمومية، وتعزيز الحكامة التشاركية، وترسيخ مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص.
وقد عرف هذا اللقاء مشاركة ثلة من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين، إلى جانب خبراء ومدربين، حيث تم تسليط الضوء على مجموعة من القضايا المحورية. في مقدمتها، دور المجتمع المدني في تتبع عمل هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، باعتبارها آليات دستورية تسعى إلى تعزيز العدالة المجالية والاجتماعية. كما تم التأكيد على أهمية إشراك الفاعلين المدنيين في تقييم وتتبع السياسات الترابية، بما يضمن انسجامها مع حاجيات المواطنين.
كما ناقش المشاركون دور المجتمع المدني في مراقبة السياسات العمومية، ليس فقط من زاوية النقد، بل من خلال تقديم البدائل والاقتراحات العملية القابلة للتنفيذ. وفي هذا السياق، تم إبراز الحاجة إلى تقوية قدرات الفاعلين الجمعويين، وتوفير آليات فعالة للتنسيق والترافع، بما يمكنهم من لعب أدوار أكثر تأثيرًا.
من جهة أخرى، شكل موضوع الحكامة التشاركية محورا رئيسيا في النقاش، حيث تم التأكيد على أن تحسين تدبير الشأن العام يمر عبر إشراك حقيقي للمجتمع المدني في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية. وهو ما يتطلب إرادة سياسية واضحة، وإطارًا قانونيًا وتنظيميًا محفزًا على المشاركة.
وفي مداخلة وصفت بالمحورية، تم طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للمجتمع المدني أن ينتقل من مرحلة التشاور إلى مرحلة التأثير؟ حيث تم التأكيد على أن هذا التحول يقتضي تطوير أدوات العمل المدني، والانتقال من المبادرات المعزولة إلى العمل المنظم والمؤثر، القائم على المعرفة والتخصص والشراكة مع مختلف الفاعلين.
واختتم اللقاء بنقاش مفتوح بين الحضور، عكس اهتماما متزايدا بقضايا المشاركة المواطنة، وأكد على ضرورة تعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمع المدني، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة ويعزز الديمقراطية التشاركية.
إن مثل هذه اللقاءات تشكل خطوة مهمة نحو إعادة تعريف أدوار المجتمع المدني، ليس كفاعل هامشي، بل كشريك استراتيجي في صناعة القرار، قادر على المساهمة في بناء سياسات عمومية أكثر عدالة وفعالية.




