يخوض المنتخب الأرجنتيني نهائيات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بصفته حامل اللقب والمصنف الأول عالميا، مما يضعه تحت ضغط هائل للحفاظ على إنجازه التاريخي في قطر 2022 ،و مقارعة منتخبات شرسة عاقدة العزم للإطاحة به.
فبعد مرور 41 شهرا على تتويجه في الدوحة على حساب فرنسا، يتجه “الألبيسيليستي” نحو المونديال الأمريكي الشمالي مثقلا بضغوط تفوق ما تعرض له في قطر، حيث استهل البطولة حينها في ظل مناخ من التشكيك النسبي في قدراته، رغم سجل مبارياته الخالي من الهزيمة.
و يجمع أبرز المحللين الرياضيين اليوم أن تشكيلة الناخب الأرجنتيني ليونيل سكالوني تبقى الأكثر استقرارا في عالم كرة القدم، لكنهم يؤكدون في ذات الوقت أنه ستكون أمام امتحان رفع تحد تاريخي هائل، يتمثل في الاحتفاظ باللقب؛ وهو الإنجاز الذي لم يحققه سوى منتخبين فقط في تاريخ كرة القدم العالمية.
وبشكل عام، تهيمن على وسائل الإعلام الأرجنتينية وأمريكا الجنوبية فكرة واحدة عند التطرق للتشكيلة الأرجنتينية”. فالمنتخب لم يعد يسير مدفوعا بعبقرية ليونيل ميسي فحسب، وإنما بفضل منظومة جماعية ناضجة ومنضبطة، اعتادت على الفوز في المواعيد الكبرى. وترى وسائل الاعلام المحلية أنه إذا كان ليونيل ميسي يحمل شارة القيادة، فإن عناصر أخرى تملك بدورها الشرعية الكاملة لحمل شارة القيادة.
هذا التحول بالذات هو ما يغذي التوقعات والضغوط المحيطة بالمنتخب الأرجنتيني. فبعد تتويج بلقب “كوبا أمريكا” سنة 2021، وكأس العالم سنة 2022، ثم نسخة 2024 من “كوبا أمريكا”، بات الحكم على “الألبيسيليستي” يُبنى الآن ليس على قدرته على خلق المفاجأة، بل بحتمية تأكيد هيمنته.
ويوصف منتخب الأرجنتين، في العديد من تحليلات الخبراء ، بكونه “المنتخب الأكمل في الوقت الحالي، لا سيما بالنظر حالة التوازن التي يعيشها بفضل مزجه بين الخبرة والاندفاع البدني والجودة التقنية.
وفي المقابل، يعرض موقع المرشح الأوفر حظا الفريق أيضا لضغط نفسي جديد. إذ يبقى من المسلم به في الأوساط الكروية أن المنتخبات حاملة اللقب العالمي غالبا ما تتحول إلى أهداف تكتيكية في النسخ الموالية، حيث تواجه خصوما شرسة .
ويظل محور هذا الضغط هو النجم ميسي نفسه، إذ من المتوقع أن يخوض آخر مشاركة مونديالية له بعمر 39 سنة خلال هذه البطولة. لكن وعلى النقيض من نسخة قطر، حينما كان الفريق ما يزال يعتمد بشكل كبيرعلى إبداعه الهجومي، نجح سكالوني تدريجيا في بناء هيكل قادر على التعايش مع غياب صاحب الرقم 10.
وقد عززت التصفيات اللاتينية هذا الانطباع، حيث أنهت الأرجنتين السباق في الصدارة بفارق مريح رغم خوضها لعدة مباريات دون ميسي، مما يثبت أن المنتخب تعلم كيف يشتغل دون تبعية مطلقة لقائده التاريخي. وترى الصحافة الدولية في هذا التطور أحد أبرز مظاهر التقدم في حقبة سكالوني، جازمة بأن الأرجنتين تمتلك اليوم حلولا جماعية أكثر من تلك التي امتلكتها سنة 2022.
ومع ذلك، يرفض سكالوني تغذية فكرة الانتقال لمرحلة ما بعد ميسي، إذ اعتاد الناخب الأرجنتيني التأكيد على أن لاعب “إنتر ميامي” يظل أساسيا لمصلحة كرة القدم، مع التذكير بأن مشاركته ستعتمد بالدرجة الأولى على جاهزيته البدنية.
وبالإضافة إلى ميسي، تضم الأرجنتين نواة تتمتع بخبرة كبيرة؛ حيث يظل الحارس إيميليانو مارتينيز أحد القادة الكبار في مستودع الملابس، في حين يقدم خط الوسط المكون من إنزو فيرنانديز وأليكسيس ماك أليستر ورودريغو دي بول بانتظام كأحد أكثر الخطوط توازنا في البطولة.
وتشكل قدرة هذا الثلاثي على التنويع بين الضغط الشرس والتمكن التقني والتحولات السريعة، العمود الفقري الحقيقي لمنظومة اللعب الأرجنتينية.
وبخصوص خط الهجوم،، يبرز الثنائي جوليان ألفاريز وتياغو ألمادا كأحد الرهانات الهجومية الكبرى للمدرب. ويرى العديد من الخبراء الأرجنتينيين أن تحركاتهما وكثافتهما قد تعوض التراجع البدني الطبيعي لميسي، وكذا غياب أنجيل دي ماريا، الذي اعتزل اللعب دوليا بعد أن بصم على التاريخ الحديث لـ “الألبيسيليستي”.
وفي الشق التكتيكي، من المتوقع أن يحافظ سكالوني على المنظومة التي حوّلت الأرجنتين إلى ماكينة تنافسية منذ سنة 2021، بالاعتماد على خطة 4-3-3 مرنة قادرة على التحول إلى 4-4-2 مدمجة عند فقدان الكرة.
ومن هذا المنظور، أصبح الانضباط التكتيكي الميزة الأساسية لهذا المنتخب. وبخلاف الأجيال الأرجنتينية السابقة التي افتقدت للتوازن، يُوصف تشكيلة “الألبيسيليستي” الحالية بأنها منتخب براغماتي، قادر على ملاءمة خطة لعبه مع مختلف السياقات.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع المباريات الأولى في البطولة بحذر، إذ لا تزال صدمة الهزيمة الافتتاحية أمام السعودية في قطر حاضرة في خطابات الطاقم التقني واللاعبين، وأيضا في النقاشات المحتدمة داخل مقاهي بوينس آيرس.
وتؤكد العديد من وسائل الإعلام الأرجنتينية أن سكالوني يريد تجنب أي إفراط في الثقة، ويفضل دخولا تدريجيا في البطولة، مع فرض هيمنة ميدانية صارمة وتحكم في إيقاع المواجهات.
نجح سكالوني منذ تعيينه سنة 2018 في تحويل منتخب كان يعاني الانقسام والاستنزاف النفسي إلى مجموعة متلاحمة ومستقرة وتنافسية إلى أقصى الحدود. وغالبا ما يُسلط الضوء على تدبيره الرصين، وكذا قدرته على حماية مستودع الملابس وعلى ذكائه في الإدماج التدريجي للوجوه الجديدة.
وبالرغم من حالة الاستقرار التي تطبع المنتخب الارجنتيني ،تظل بعض المخاوف قائمة، لا سيما في خط الدفاع الأوسط؛ حيث يثير تقدم سن نيكولاس أوتاميندي بعض التساؤلات، ويرى العديد من المعلقين المحليين أن التجديد الدفاعي قد يشكل أحد التحديات الكبرى في البطولة.
لكن، وعلى الرغم من هذه الشكوك، فإن الأجواء المحيطة بـ “الألبيسيليستي” تظل مطبوعة بثقة نادرا ما طبعت الأرجنتين قبل نهائيات كأس العالم. فالهدف هذه المرة لم يعد يقتصر على مجرد منح ميسي مغامرة مونديالية أخيرة، بل يتعلق الأمر الآن بإثبات أن منتخب الأرجنتين قادر على تحويل تتويجه في قطر إلى دورة حياة تاريخية حقيقية.




