زهير اخزو
رمضان في المغرب ليس مجرد شهر للصيام والعبادة، بل هو ملحمة يومية للتكافل الاجتماعي تتجدد مع كل هلال. وفي دروب العاصمة العلمية فاس، حيث يعبق التاريخ بروح التضامن، تبرز مشاهد إنسانية تثلج الصدر وتؤكد أن “الخير ما زال في هذه الأمة”. فبينما يهرول الكثيرون نحو منازلهم وتتزاحم الخطوات مع اقتراب أذان المغرب، يختار شباب آخرون التواجد في قلب الميدان، في سباق مع الزمن لإطعام المحتاجين وعابري السبيل.
في صلب هذه الدينامية الإنسانية، يبرز اسم الشاب الطموح “أمين الخولاني”، الذي أبى إلا أن يحول شهر الغفران إلى ورش مفتوح للعمل التطوعي. أمين، رفقة ثلة من الشباب الغيورين، شكلوا خلية نحل حقيقية يجمعها هدف أسمى: إدخال الفرحة على قلوب الأسر المعوزة وتخفيف وطأة الحاجة عنهم.
هؤلاء الشباب لا يكتفون بتوزيع بضع حبات من التمر، بل يشرفون على قوافل خيرية تجوب مختلف مقاطعات فاس، ولا تعترف بالحدود الجغرافية، حيث تصل بشائرها حتى الدواوير النائية والمهمشة بجهة فاس-مكناس، بحثاً عن أسر قد لا تجد ما يسد رمقها عند الإفطار.
ما يقوم به الخولاني ورفاقه يتجاوز المفهوم الكلاسيكي للصدقة؛ فهو عمل لوجستي احترافي بامتياز. تبدأ الحكاية ساعات طوال قبل الأذان؛ من اقتناء المواد الغذائية الأساسية، مروراً بطهي وجبات متكاملة وتعبئتها بعناية فائقة، وصولاً إلى شحنها وتوزيعها في نقاط استراتيجية. كل هذا يتم في صمت وتفانٍ، بعيداً عن أضواء الكاميرات وحسابات السياسة، تحركهم فقط نية خالصة وروح فريق لا تعرف الكلل.
و يتخذ هذا الفريق الشاب من التوجيه النبوي الشريف: “من فطر صائما كان له مثل أجره”، بوصلة تقود خطواتهم الماراثونية. وقد تركت هذه المبادرة صدى طيباً وعميقاً في نفوس المستفيدين، الذين وجدوا في هؤلاء الشباب عائلة تعوضهم قسوة الظروف، وتقدم لهم وجبة الإفطار مقرونة بابتسامة صادقة واحترام يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم.
إن مبادرة أمين الخولاني ليست مجرد قصة عابرة للاستهلاك الصحفي، بل هي رسالة أمل قوية من قلب فاس. هي دليل قاطع على أن التغيير الإيجابي يبدأ بفكرة بسيطة، تتعهدها إرادة صادقة لتتحول إلى شلال من العطاء. هكذا هم شباب العاصمة العلمية، يبرهنون كل يوم أن ثقافة التطوع متأصلة في جينات المغاربة، وأن صناعة المعروف لا تحتاج إلى إمكانيات ضخمة، بل إلى قلوب تنبض بحب الخير.




