بورصة السياسة في فاس: حمّى الانتخابات، تكتيكات “الطرد المتعمد”، وموت الإيديولوجيا

فايس بريس22 مارس 2026آخر تحديث :
بورصة السياسة في فاس: حمّى الانتخابات، تكتيكات “الطرد المتعمد”، وموت الإيديولوجيا

فايس بريس: هيئة التحرير

تعيش العاصمة العلمية فاس، هذه الأيام، على وقع حمى سياسية مبكرة وغير مسبوقة؛ فداخل الغرف المغلقة لمختلف التنظيمات الحزبية، انطلق سباق محموم نحو التموقع في اللوائح الانتخابية، في معركة مفتوحة تعكس وعياً مفرطاً لدى الفاعلين بأهمية الاستحقاقات المقبلة في إعادة رسم ملامح المشهد السياسي المحلي.

المثير في هذه الدينامية أنها لم تقتصر على التنافس التقليدي المعتاد، بل أماطت اللثام عن ممارسات “براغماتية” هجينة وغير مألوفة. لعل أبرزها وأكثرها غرابة، هو لجوء عدد من المنتخبين إلى تكتيك “السعي المتعمد نحو الطرد الحزبي”. هؤلاء يبحثون عن مخرج قانوني يتيح لهم تغيير جلدهم الحزبي والقفز نحو سفن سياسية أخرى يرونها أكثر حظوظاً في حصد المقاعد، وذلك دون أن يكلفهم هذا الانتقال فقدان مقاعدهم ومواقعهم الحالية. إنها بامتياز “لعبة كراسي موسيقية” تُفرغ العمل السياسي من محتواه الأخلاقي.

وفي الكواليس، يجد عدد من البرلمانيين والمنتخبين أنفسهم أسرى لمعادلة معقدة وحالة من التردد القاتل؛ بين البقاء في مناطق الراحة تحت ألوان أحزابهم الحالية التي منحتهم التزكية أول مرة، وبين المغامرة بالانتقال إلى تنظيمات جديدة قد توفر فرصاً أوسع للنجاح. هذا التردد سرعان ما يتبدد في جنح الظلام، حيث تشهد الكواليس مشاورات مكثفة ولقاءات غير معلنة لهندسة تحالفات استباقية وتكتلات جديدة، تحكمها لغة الأرقام والحسابات الانتخابية الصرفة، بعيداً عن أي توافق فكري أو برامجي.

لم تتوقف حمى الانتخابات عند هندسة التحالفات، بل دفعت ببعض الوجوه السياسية إلى إطلاق حملات سابقة لأوانها. فجأة، تكثف الحضور الميداني، وعادت بعض الأسماء لاكتشاف هموم المواطنين وقضاياهم الاجتماعية والاقتصادية، في محاولة مكشوفة لاستدرار التعاطف واستباق المنافسين.

يتزامن كل هذا مع تصاعد ملحوظ لدور شبكات النفوذ والمصالح. لقد أصبح التموقع بالقرب من دوائر القرار داخل الأحزاب هو العملة الأصعب لنيل “التزكيات”، متجاوزاً بذلك منطق الكفاءة والاستحقاق والتدرج النضالي. ورغم محاولات بعض القيادات الحزبية فرض انضباط داخلي ومعايير صارمة لاختيار المرشحين، إلا أن هذه النوايا غالباً ما تتحطم على صخرة التوازنات المحلية المعقدة والصراعات الخفية.

إن هذه التحولات المتسارعة تطرح إشكالات جوهرية حول مآل الممارسة الديمقراطية في فاس؛ فقد تحول الانتماء الحزبي من قناعة فكرية ومشروع مجتمعي إلى مجرد أداة في بورصة الربح والخسارة. هذا العبث السياسي هو المسمار الأخير في نعش ثقة شريحة واسعة من المواطنين في العمل الحزبي.

في ظل هذا المشهد الضبابي، تبقى المرحلة المقبلة مفتوحة على كل السيناريوهات. لكن التحدي الأكبر الذي يواجه مختلف الفاعلين لا يكمن في الظفر بمقعد أو تصدر لائحة، بل في القدرة على استعادة ثقة الشارع الفاسي. فشلت مناورات الكواليس الضيقة في إقناع المواطن، ولن يعيد هذه الثقة سوى عروض سياسية حقيقية وصادقة، تستجيب لتطلعات الساكنة وتحترم ذكاء الناخب.. فهل تلتقط الأحزاب الرسالة قبل فوات الأوان؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة