لم يكن التقرير الأخير الصادر عن جامعة أكسفورد لعام 2026 مجرد أرقام تُسرد، بل كان مرآة عاكسة لواقع اجتماعي واقتصادي معقد. لقد سجل المغرب تراجعاً ملحوظاً في “مؤشر السعادة العالمي”، متراجعاً إلى المرتبة 112 من أصل 147 دولة. هذا التراجع ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لتنامي مؤشرات التوتر والاكتئاب بين المغاربة، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وأنماط الاستهلاك الجديدة التي فرضت إيقاعاً لا يرحم على جيوب المواطنين ونفسياتهم.
في هذا التحقيق، نغوص في الأسباب العميقة التي تقف وراء هذه الأرقام، لنكتشف أن “السعادة” أصبحت ترفاً في مواجهة ثلاثية قاهرة: أزمة التشغيل، غلاء المعيشة، والعزوف عن الزواج.
1. أزمة الشغل والبطالة: جيل في غرفة الانتظار
مع اجتياح التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي لسوق الشغل، وجد آلاف الشباب المغاربة أنفسهم خارج معادلة التوظيف. لم تعد الشهادات الجامعية وحدها كافية لضمان وظيفة مستقرة، مما أدى إلى تفاقم أزمة البطالة. الشباب اليوم يواجهون سوقاً متقلباً لا يرحم، حيث تتلاشى فرص العمل التقليدية ولا تنمو البدائل الرقمية بالسرعة الكافية لاستيعاب الأفواج المتخرجة. هذا الوضع خلق حالة من الإحباط الدائم، حيث تحول طموح الشباب من “بناء مستقبل مشرق” إلى مجرد “تأمين لقمة العيش”.
2. غلاء الأسعار: حينما يلتهم التضخم ما تبقى من “السعادة”
لم يقف الأمر عند حدود شح الدخل، بل اصطدم المواطن بـ “تسونامي” غلاء الأسعار الذي طال المواد الأساسية والخدمات. أنماط الاستهلاك الجديدة التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي والتحول الرقمي خلقت احتياجات مستحدثة زادت من الأعباء المالية. الأسرة المغربية اليوم تجد نفسها في صراع يومي لضبط الميزانية وتغطية النفقات الأساسية، مما يولد ضغطاً نفسياً هائلاً. عندما يصبح تدبير تكاليف المعيشة اليومية معركة مرهقة، تتراجع مساحة الفرح والراحة النفسية، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات التوتر التي رصدها تقرير أكسفورد.
3. العزوف عن الزواج: مؤسسة الأسرة في مهب الريح
كنتيجة حتمية للبطالة والغلاء الفاحش، برزت ظاهرة اجتماعية مقلقة تتمثل في العزوف المتزايد عن الزواج. الشباب الذين يعانون من غياب الاستقرار المهني والمادي يجدون صعوبة بالغة في الإقدام على تأسيس أسرة. “كيف لي أن أفتح بيتاً وأنا عاجز عن إعالة نفسي؟”.. هذا هو لسان حال الكثيرين. لقد تحول الزواج من سنة اجتماعية ومصدر للاستقرار النفسي إلى “مخاطرة مالية” يتهرب منها الشباب، مما يزيد من الشعور بالعزلة والوحدة، ويغذي مشاعر الاكتئاب في المجتمع.
خلاصة: ناقوس خطر اجتماعي
إن تراجع المغرب في مؤشر السعادة لا يجب أن يُقرأ كمعطى إحصائي عابر، بل هو ناقوس خطر يدق في صمت. معالجة هذه الأزمة تتطلب سياسات عمومية شجاعة ومبتكرة؛ لا تقتصر فقط على خلق فرص عمل تتلاءم مع العصر الرقمي، بل تشمل أيضاً حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وإعادة الأمل لجيل بأكمله يرى أن مستقبله وحقه في تكوين أسرة يتسرب من بين يديه.




