في خطوة تعكس يقظة وحزم العدالة المغربية في التصدي لظاهرة التشهير الرقمي وحماية الحياة الخاصة للمواطنين، أسدلت المحكمة الابتدائية بمدينة فاس، صباح اليوم، الستار على واحدة من القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام، بإصدار حكمها في حق صانعة المحتوى المعروفة بـ “نعيمة البدوية”. وشهدت قاعة الجلسات رقم 9، في تمام الساعة التاسعة صباحاً، برئاسة السيد القاضي الأعرج، النطق بالحكم في هذا الملف الذي يحمل رقم 13574/2106/2025، حيث جرت أطوار المحاكمة في أجواء طبعتها الرصانة والحياد التام الذي يميز المؤسسة القضائية.
وكانت النيابة العامة قد تابعت المعنية بالأمر، نعيمة.ا، بتهم ثقيلة تتعلق ببث وتوزيع صورة شخص دون موافقته، وبث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم، وهي أفعال يجرمها القانون وتتصدى لها المحاكم بصرامة لحماية النسيج المجتمعي من الانفلات الرقمي. وبعد دراسة مستفيضة للملف، نطقت المحكمة بحكمها العلني والابتدائي والحضوري، حيث قضت في الدعوى العمومية بإدانة المتهمة بما نسب إليها من تهم، والحكم عليها بعقوبة الحبس لمدة سنتين (02) موقوفة التنفيذ، وأداء غرامة مالية نافذة قدرها 20.000 درهم (عشرون ألف درهم)، مع تحميلها الصائر وجعل الإجبار في الأدنى، وإرجاع ما تبقى من مبلغ كفالة الحضور المودعة من طرف المتهمة لفائدتها، وذلك بعد خصم الغرامات والصائر طبقاً لما ينص عليه القانون.
أما في الدعوى المدنية التابعة، فقد قضت المحكمة من حيث الشكل بعدم قبول الطلبات المدنية المقدمة من طرف المطالب بالحق المدني الطاهر سعدون مع تحميله صائرها، وفي المقابل تم قبول الطلبات المدنية المقدمة من طرف المطالبة بالحق المدني شرفة.م. ومن حيث الموضوع، قررت المحكمة إلزام المتهمة نعيمة.ا بأداء تعويض مدني قدره 10.000 درهم (عشرة آلاف درهم) لفائدة المطالبة بالحق المدني شرفة.م، مع تحميل المتهمة الصائر وجعل الإجبار في الأدنى.
إن هذا الحكم الصادر عن ابتدائية فاس، برئاسة السيد القاضي الأعرج، يمثل رسالة واضحة وصارمة لكل من تسول له نفسه استغلال منصات التواصل الاجتماعي للمساس بأعراض الناس أو التشهير بهم. لقد أثبت القضاء المغربي مجدداً أنه الدرع الحصين لحريات وكرامة المواطنين، وأن الفضاء الأزرق ليس مرتعاً خارجاً عن سلطة القانون. كما يعكس هذا القرار حنكة السادة القضاة في الموازنة بين تحقيق الردع المطلوب وإعطاء فرصة للإصلاح، مع ضمان الحقوق المدنية للمتضررين المباشرين، لتبقى المحكمة الابتدائية بفاس نموذجاً يحتذى به في ترسيخ أسس العدالة الرقمية وتطبيق القانون بكل تجرد ونزاهة.




