عمال النظافة ففاس مطحونين ومحكورين.. زبل المدينة كياكل صحتهم والبرلمانيين ضاربين الطم

فايس بريسمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
عمال النظافة ففاس مطحونين ومحكورين.. زبل المدينة كياكل صحتهم والبرلمانيين ضاربين الطم

بينما تتغنى الشعارات الرسمية بـ “فاس العاصمة العلمية والروحية“، وتلتقط الصور التذكارية في أزقة مدينتها العتيقة، تدور في الكواليس المظلمة مأساة إنسانية حقيقية أبطالها هم “مهندسو النظافة” أو عمال النظافة. هؤلاء الرجال الذين يحملون على عاتقهم عبء تنظيف ما يخلفه مجتمع بأكمله، يعيشون اليوم تحت وطأة قهر مزدوج: قهر مادي وصحي ينهش أجسادهم، وتهميش سياسي متعمد من طرف من يفترض بهم الدفاع عن حقوقهم.

لا يمكن الحديث عن عمال النظافة في العاصمة العلمية دون الوقوف عند حافة الفقر المدقع الذي يُدفعون إليه دفعاً. وضعهم المادي أقل ما يقال عنه إنه “كارثي”. رواتب هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل غلاء فاحش ضرب القدرة الشرائية في مقتل. هؤلاء العمال يعيشون في دوامة من الهشاشة المالية؛ غياب للتحفيزات، وتأخر في صرف المستحقات في كثير من الأحيان، وحرمان من أبسط الحقوق التي يكفلها قانون الشغل. إنهم يعملون بنظام السخرة الحديثة، حيث يُطلب منهم بذل مجهودات خرافية لساعات طوال، ليجدوا في نهاية الشهر دراهم معدودة لا تكفي حتى لتسديد فواتير الكراء والماء والكهرباء، فما بالك بتأمين لقمة عيش كريمة لأبنائهم.

تتجاوز معاناة عمال النظافة الجيوب لتستهدف الأجساد والأرواح. الوضع الصحي لهؤلاء العمال هو بمثابة “جريمة صامتة”.

  • غياب وسائل الوقاية: يواجه العمال أطنانا من النفايات الخطيرة، السامة، والطبية أحيانا، بأياد شبه عارية وفي غياب شبه تام لمعدات السلامة الصحية المهنية الحقيقية.

  • أمراض مزمنة: روائح كريهة، غازات سامة، وحوادث شغل يومية تؤدي إلى إصابات خطيرة وأمراض تنفسية وجلدية مزمنة، تحولهم إلى مشاريع موت بطيء.

  • الانهيار المعنوي: أما المعاناة المعنوية فحدث ولا حرج. نظرة الدونية، غياب التقدير المجتمعي والمؤسساتي، والإحساس المستمر بـ “الحكرة”، يجعل من صحتهم النفسية في الحضيض. إنهم يجمعون أوساخ المدينة، لكن السلطات تعاملهم وكأنهم هم العبء!

وسط كل هذا الركام من المعاناة والمآسي، يبرز التساؤل الفضيحة: أين هم نواب الأمة؟ أين هم البرلمانيون الذين حصدوا أصوات الساكنة بالوعود المعسولة؟ الغريب والمستفز في الأمر هو الغياب التام والمطلق لأي سؤال كتابي أو شفوي تحت قبة البرلمان يطرح أزمة عمال النظافة بفاس. لقد دخل البرلمانيون ونواب المستشارين عن جهة فاس-مكناس في “غيبوبة سياسية” اختيارية. لا أحد منهم يجرؤ على مساءلة الوزارات الوصية أو الشركات المفوض لها تدبير القطاع. التواطؤ بالصمت هو سيدة الموقف، وكأن دماء وعرق هؤلاء العمال لا تساوي الحبر الذي سيكتب به سؤال برلماني. يظهرون فقط في الحملات الانتخابية لالتقاط الصور مع البسطاء، ثم يختفون في صالونات الرباط المكيفة، تاركين عمال النظافة يواجهون مصيرهم في شوارع فاس الحارقة صيفاً والباردة شتاءً.

إن استمرار هذا الوضع هو وصمة عار على جبين كل مسؤول في هذه المدينة. عمال النظافة ليسوا آلات لا تتعب، بل هم بشر وآباء ومواطنون مغاربة يكفل لهم الدستور الحق في العيش الكريم والسلامة الصحية. استمرار سياسة الآذان الصماء وتجاهل البرلمانيين والمنتخبين لهذه القنبلة الموقوتة لن يقود إلا إلى مزيد من الاحتقان. أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، وقبل أن تجف كرامته.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة