أثارت قضية المبنى الذي جرى تداوله إعلاميًا باسم “قصر الكرملين” في بوسكورة جدلاً واسعًا، لم يكن محوره الأساسي التصميم المعماري الباذخ أو التسمية المستوحاة من مجمّع الكرملين الروسي التاريخي، بل تركز الجدل حول الشرعية القانونية والتنظيمية للمشروع.
لقد شكلت التسمية المُهولة سحابة كثيفة حجبت الجوهر الحقيقي للقضية: وهو أن المبنى، على الرغم من فخامته الظاهرية وتكلفته التقديرية، كان مشروعًا تجاريًا يفتقر إلى أبسط الوثائق القانونية والإدارية اللازمة ضمن إطار التنظيم الحضري والترابي لإقليم يتبع لجهة الدار البيضاء.
إن جوهر الإشكالية يكمن في الفراغ القانوني الذي أحاط بالبناء من بدايته. فالمعايير الأساسية التي تُطلب من أي مستثمر، بغض النظر عن حجم مشروعه، كانت غائبة بشكل لافت. وتشمل قائمة النواقص القانونية والإجرائية ما يلي عدم توفر رخص البناء والتصاميم الهندسية المصادق عليها و الافتقار إلى التراخيص المتعلقة بتغيير طبيعة المشروع (إن وجدت) و غياب سندات الملكية أو العقود التي تثبت الحق في استغلال الموقع بشكل قانوني وواضح.
هذا النمط من الإنجاز، حيث يتم التشييد أولاً ثم البحث عن التسوية القانونية لاحقًا، يمثل خرقًا صارخًا لمبادئ الحكامة الترابية والتعمير، ويضع المشروع بأكمله في منطقة “رمادية” خارج سلطة الرقابة القضائية والإدارية.
بالتوازي مع المخالفات المتعلقة بالتراخيص، برزت قضية الأرقام المالية المتداولة، حيث تم الترويج لمعلومات غير موثقة عن تكلفة المشروع تُقدّر بـ”16 مليار سنتيم”. وهنا، تبرز الحاجة إلى مبدأ الشفافية والمساءلة الإدارية والمالية:
- أين الأدلة على حجم الاستثمار؟
- أين دفاتر الحسابات وفواتير التوريد والعقود التي تدعم هذه الأرقام؟
- ما هي الوثائق التي تثبت أن الإنفاق تم وفقًا للإجراءات القانونية والمحاسبية المعتمدة؟
الغريب في الأمر أن إدارة المشروع لم تقدم أي مستندات أو أدلة مادية تنفي المخالفات أو تقلب الرواية المتداولة، مكتفية بالحديث المُرسل دون دعم وثائقي.
تتجاوز أهمية هذه القضية مجرد إزالة مبنى مخالف للقانون لتشمل تداعيات أعمق على المشهد الاقتصادي والرقابي في البلاد. لقد وضعت قضية “كريملين بوسكورة” إصبعها على مكامن الخلل المزمنة، مما يستدعي تحركًا إداريًا وقضائيًا أكثر صرامة:
- تعزيز الحكامة في التعمير: شكّلت هذه الواقعة نقطة تحول يجب أن تُفضي إلى تشديد آليات الرقابة الإدارية والميدانية على مشاريع البناء الكبرى، والعمل على تقليص الفجوة الزمنية بين الشروع في البناء وإجراءات المراقبة القانونية لضمان الامتثال منذ المراحل الأولى.
- تنقية بيئة الأعمال: تُسهم المعالجة القانونية الحازمة لمثل هذه الملفات في تطهير بيئة الاستثمار من الممارسات غير التنافسية أو غير المشروعة. فالأمر لا يتعلق فقط بالتهرب من الرسوم، بل بتكافؤ الفرص؛ إذ إن المستثمر الملتزم بالقانون يتأثر سلبًا بمنافسة المشاريع المخالفة.
- ترسيخ مبدأ سيادة القانون: القضية تؤكد أن رأس المال، مهما كان حجمه، ليس فوق القانون. وهذا يبعث برسالة طمأنة للمستثمرين الجادين والشركاء الدوليين بوجود إطار قانوني صارم يُطبق على الجميع دون استثناء أو محاباة.
لقد كانت الاستجابة القانونية والإدارية حاسمة، مؤكدة على أن القانون هو المرجعية الوحيدة لتصحيح الأوضاع. إن ما حدث لمبنى “بوسكورة” يبعث برسالة واضحة للمستثمرين والمتعاملين في القطاع العقاري: البناء على أسس قانونية سليمة ليس خيارًا تكميليًا، بل هو شرط لا غنى عنه للبدء بأي مشروع، وأن سيادة القانون تسبق سيادة المال.




