بقلم..ابو عمر
لم يكن خروج عبد الله البقالي، رئيس لجنة منح البطاقة الصحفية، مجرد تصريح عابر أو تدوينة تعبر عن موقف ظرفي. ما قاله كان موقفا صادما للبعض، ومحررا لروح المهنة لدى الكثيرين. لقد قال الرجل ما كان كثيرون يتهامسون به في الغرف المغلقة، لكنه اختار أن يعلنه جهارا بلا خوف ولا مجاملة ولا حسابات صغيرة.
البقالي واجه ملف المهداوي وتعامل مع كل ما راكمه من شكايات وضغوطات دون أن ينحني أو يبحث عن طريق أسهل. وحين اختار أن يقاطع اجتماع لجنة الأخلاقيات، لم يفعل ذلك بدافع غضب أو انسحاب تكتيكي، بل رفضا لمشهد وصفه هو نفسه بـ”المسلسل المحبوك”؛ مسلسل يعرف أصله وفصله، ويدرك جيدا دوافعه الحقيقية ونهايته المرسومة سلفا.
لقد رفض أن يكون شاهد زور، أو مجرد ديكور في عملية لا تؤمن بالعدالة المهنية ولا بالمنطق الأخلاقي.
وهنا يكمن جوهر قوة موقفه: الانحياز للضمير بدل الانصياع للعبة أدوار يعرفها جيدا.
موقفه الصارم أعاد شيئا من الهيبة للمشهد الصحفي، وأيقظ في قلوب كثير من الزملاء شعورا كاد ينقرض: أن في المهنة رجالا يستطيعون قول “لا” بجرأة، في زمن يفضل فيه البعض الصمت أو المسايرة أو التبرير.
لقد عبّر البقالي بصوته الواضح، وبنبرة لا تحتمل التأويل، عن حقيقة مزعجة للكثيرين:
أن الصحافة ليست قاعة انتظار للمجاملات، وليست طاولة مقايضات، وليست مساحة للتسويات على حساب المبدأ.
ولهذا، ترك خروجه صدى يتجاوز مجرد موقف فردي؛ كان صفعة أخلاقية لبعض من اعتادوا اللعب في المنطقة الرمادية، ورسالة مباشرة بأن المهنة ما زالت قادرة على الدفاع عن نفسها حين يقف فيها رجل صادق يمتلك الجرأة الكافية ليقول ما يجب أن يقال.
إن عبد الله البقالي لم يكتفِ بتوضيح موقفه، بل كشف ما كان يخشى البعض كشفه، وأعاد للصحفيين يقينا غاب طويلا:
أن المهنة بخير ما دام فيها من يرفض المشاركة في لعبة يعرف أنها تهان فيها الحقيقة وتدفن فيها القيم.
وسيذكر التاريخ هذا الموقف، ليس لأنه موقف عابر، بل لأنه كسر حاجزا من الصمت، وفضح واقعًا يعرفه الجميع ويتجنب الكثيرون مواجهته.




