مشروع قانون مهنة المحاماة… تشريع غامض لترويض الدفاع وتكريس الوصاية

فايس بريس5 فبراير 2026آخر تحديث :
مشروع قانون مهنة المحاماة… تشريع غامض لترويض الدفاع وتكريس الوصاية

الاستاذ يوسف اكجدول

يأتي مشروع قانون مهنة المحاماة في سياق يفترض فيه تعزيز استقلال الدفاع وتحصين موقعه داخل منظومة العدالة، غير أن مضامينه تكشف، دون كثير عناء، توجها مقلقًا يروم تقييد المهنة لا إصلاحها. فالمشروع، بدل أن يعالج الأعطاب الحقيقية التي يتخبط فيها المحامون، اختار لغة غامضة ومواد ملتبسة تُفهم أكثر كآليات للضبط والتأديب، لا كضمانات للحقوق.

هذا النص التشريعي يتعامل مع المحاماة وكأنها عبء يجب التحكم فيه، لا كسلطة مستقلة وشريك أساسي في تحقيق العدالة. إذ يمنح سلطات واسعة للتأويل في مجالات حساسة كالمساءلة والمسؤولية المهنية، دون تحديد دقيق للضمانات، ما يفتح الباب أمام التعسف والتضييق، ويحوّل الاستقلال إلى شعار فارغ.

الأخطر أن المشروع يغض الطرف عن الاختلالات البنيوية الحقيقية: الاكتظاظ المهني، هشاشة الوضع الاجتماعي للمحامي، غياب الحماية أثناء أداء الواجب، واستمرار الممارسات التي تمس بكرامة الدفاع داخل المحاكم. كل هذه القضايا الجوهرية تم تجاوزها بصمت مريب، وكأنها لا تدخل ضمن أولويات “الإصلاح”.

أما منهجية إعداد المشروع، فقد زادت من حدة التوتر، حيث تم تهميش هيئات المحامين والاكتفاء بمقاربة فوقية، تفتقد للحوار الجاد والمسؤول. وهو ما فُسر كإرادة لفرض رؤية أحادية، لا تراعي حساسية المرحلة ولا خطورة المساس باستقلال الدفاع.

إن ما تعيشه الساحة القانونية اليوم ليس مجرد خلاف حول نص قانوني، بل هو مواجهة حقيقية حول مستقبل العدالة بالمغرب. فإما عدالة قائمة على التوازن واحترام الأدوار، أو عدالة تُدار بمنطق الوصاية والتحكم.

إن تقييد المحاماة، ولو بنصوص مبهمة، هو في جوهره تقييد لحق المواطن في الدفاع، وضرب لمبدأ المحاكمة العادلة. وأي تشريع لا ينطلق من حماية الدفاع واستقلاله، لن يكون سوى خطوة إلى الوراء، مهما رُوّج له بشعارات الإصلاح.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة