في مشهد يعكس أحط درجات الانحطاط الأخلاقي والإفلاس الإنساني، تركت الصحافية بشرى الخونشافي و المرأة المغربية، التي تخوض معركة شرسة ضد مرض السرطان، فريسة لحملة تشهير ممنهجة وعنف رقمي وحشي، تقوده عصابات منظمة عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع المأجورة. جريمة الخونشافي الوحيدة؟ أنها زوجة الصحافي حميد المهداوي.
هذه الحملة المسعورة، التي تنتهك الحياة الخاصة وتستبيح الأعراض، لم تأت من فراغ، بل تتزامن بشكل مريب مع المتابعات القضائية التي يواجهها زوجها؛ لتتحول الزوجة المريضة إلى ورقة ضغط دنيئة ووسيلة لانتقام رخيص. لقد بلغ العبث مداه حين تجرد “مرتزقة الفضاء الرقمي” من كل ذرة إنسانية، فلم تشفع للمرأة هشاشة وضعها الصحي، ولا قسوة جلسات العلاج من أخبث مرض عرفته البشرية، بل ولم تُحترم حتى قدسية هذا الشهر الفضيل.
و أمام هذه “السلخانة الرقمية”، وجه الأستاذ رشيد أيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، نداء مفتوحاً وعاجلا إلى رئيس النيابة العامة، واصفا ما تتعرض له الخونشافي بـ “الاستثناء المحيّر” في تطبيق السياسة الجنائية للمملكة. فكيف تترك سيدة مريضة، لا حول لها ولا قوة، عُرضة لنهش الأعراض صباح مساء دون تدخل حازم؟
وفي تفاعل غاضب مع هذه المأساة، خرج الصحافي توفيق بوعشرين بمقال ناري يدافع فيه عن بشرى، موجهاً مدفعيته الثقيلة نحو “عصابة التشهير وآكلي لحوم البشر”. وكتب بوعشرين بكلمات تقطر مرارة: “هذه العصابات تعيث في الفضاء الرقمي إجراما وإسفافا، تحت حماية كاملة من جهات إنفاذ القانون التي تتفرج على حفلة الدم هذه، وتعتبرها سياسة ردع عمومية ضد كل صوت نقدي”.
ووصف بوعشرين هؤلاء المشهرين بـ “الذكور والإناث الفاشلين، فاقدي المواهب والكرامة والأنفة”، معتبراً إياهم “طفيليات تقتات على القذارة، ومُرتزقة بلا شرف يُطلقون النار حتى على سيارات الإسعاف التي تنقل الضحايا”.
في سياق متصل، لم يتأخر الرد الحقوقي؛ حيث أصدرت جمعية “عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة” بياناً شديد اللهجة، أدانت فيه هذا الانزلاق الخطير نحو التشهير الأخلاقي والاعتداء الصارخ على الكرامة الإنسانية.
واعتبرت الجمعية أن إقحام اسم الزوجة في صراعات زوجها المهنية والقضائية هو “عقاب جماعي” مرفوض وسلوك غير مشروع يستهدف الأسرة بأكملها. وأكدت أن توظيف الصور النمطية للنيل من سمعة امرأة يُعد تصنيفاً صارخاً ضمن “العنف القائم على النوع الاجتماعي”، مشددة على أن حرية التعبير ليست ولن تكون يوماً رخصة للتشهير وتدمير الحيوات الخاصة.
وحملت “عدالة” السلطات العمومية والنيابة العامة مسؤولية التحرك الفوري لمنع الإفلات من العقاب، داعيةً منصات التواصل الاجتماعي إلى تحمل مسؤوليتها في وقف خطاب الكراهية.
إن قضية بشرى الخونشافي اليوم ليست مجرد مأساة فردية لسيدة تصارع السرطان والظلم معاً، بل هي جرس إنذار يُنذر بانهيار قيمي وقانوني خطير. إنها صرخة في وجه مجتمع مدني صامت، ومؤسسات مطالبة بالخروج من ثوب المتفرج، قبل أن تتحول ساحاتنا الرقمية إلى غابات لا يحكمها سوى قانون ا
لنهش والافتراس.




