ليلى عبد اللطيف تحت المجهر: هل تقرأ المستقبل أم تستثمر في سيكولوجيا الجماهير؟

فايس بريس6 مارس 2026آخر تحديث :
ليلى عبد اللطيف تحت المجهر: هل تقرأ المستقبل أم تستثمر في سيكولوجيا الجماهير؟

تتصدر شاشات التلفزة مع كل أزمة، وتحصد مقاطعها ملايين المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي. بعبارات واثقة وتوقعات تثير الجدل، استطاعت ليلى عبد اللطيف أن تحجز لنفسها مكاناً بارزاً في الذاكرة الجماهيرية العربية. ولكن، بعيداً عن هالة “المعجزات” والإثارة الإعلامية، كيف تنظر الصحافة الاستقصائية إلى هذه الظاهرة؟ وما هو السر النفسي وراء تصديق الملايين لها؟

ولدت ليلى عبد اللطيف في بيروت عام 1958 لأم لبنانية وأب مصري كان يعمل مفتياً في الجامع الأزهر. بعد طفولة صعبة تخللتها وفاة والدها وإقامتها لفترة في دار للأيتام، شقت طريقها في مجالات عمل بسيطة كالمبيعات، قبل أن تكتشف، على حد تعبيرها، موهبتها في “الإلهام” والشعور المسبق بالأحداث.

و بدأت شهرتها الفعلية في التسعينيات، رافضةً بشكل قاطع تسميتها بـ “المنجمة” أو “العرافة”، ومصرة على اعتمادها المطلق على “حاسة سادسة”. واليوم، تشكل هذه السيدة، المتزوجة من اللبناني مارك أبو جودة ولها ولدان من زواج سابق، ظاهرة إعلامية معقدة تستدعي التفكيك.

عند وضع توقعات عبد اللطيف تحت المجهر الاستقصائي، تتكشف آليات تعتمد بشكل كبير على ما يُعرف بـ “القراءة الباردة” والتوقعات المطاطية.
تُعد حادثة سقوط مروحية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مايو 2024 مثالاً صارخاً على كيفية صناعة “الترند”. فبمجرد إعلان الحادث، انتشر مقطع لعبد اللطيف تتوقع فيه “سقوط طائرة تحمل شخصية بارزة”. سارعت القنوات الإخبارية الباحثة عن المشاهدات إلى ربط المقطع بالحادث، متجاهلة الحقائق العلمية والإحصائية.

يفسر المحللون هذه الحالة من خلال “مغالطة قناص تكساس”؛ حيث تطلق عبد اللطيف مئات التوقعات المتشابهة والعامة سنوياً، دون تحديد أسماء أو تواريخ أو أماكن دقيقة. وعندما يقع حادث مشابه عرضياً (وهو أمر مرجح إحصائياً في عالم الطيران)، يتم تسليط الضوء عليه، تماماً كمن يطلق النار عشوائياً على جدار ثم يرسم دائرة الهدف حول الثقب للإيهام بمهارته.

و السر الحقيقي وراء نجاح هذه الظاهرة لا يكمن في قوى خارقة، بل في العقل البشري ذاته. يعتمد مطلقو التوقعات بذكاء على عدة ثغرات نفسية نمتلكها جميعاً:
تأثير بارنوم (Barnum Effect): وهو ميلنا كبشر لتصديق العبارات الفضفاضة والعامة واعتبارها وصفاً دقيقاً لحالتنا الشخصية أو لواقعنا. عبارات مثل “أرى شخصية سياسية تمر بأزمة صحية” تنطبق حرفياً على عشرات السياسيين حول العالم سنوياً.
الانحياز التأكيدي والذاكرة الانتقائية: يميل الجمهور (بدعم من الآلة الإعلامية) إلى تذكر “الإصابة” الوحيدة والاحتفاء بها، مع نسيان تام لـ 99 توقعاً خاطئاً تم إطلاقها في نفس الحلقة التلفزيونية.
استغلال المخاوف: في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية، يشتد بحث الناس عن أي أمل أو إنذار مسبق، مما يجعلهم فريسة سهلة لتوقعات تبشر بالانفراج أو تنذر بالخطر.

لا يمكن فصل ظاهرة ليلى عبد اللطيف عن الجانب الاقتصادي والإعلامي. فالقنوات التلفزيونية تدرك تماماً أن المسألة لا تتعلق بمعرفة الغيب، بل بـ “اقتصاد الانتباه”؛ حيث تُترجم إثارة الهلع أو الفضول إلى ملايين المشاهدات وعائدات إعلانية ضخمة. في المقابل، تستثمر عبد اللطيف هذا الانتشار لتعزيز مكانتها التسويقية، مما يجذب إليها عملاء من النخبة للحصول على “استشارات خاصة”.

في النهاية، تثبت التحقيقات الاستقصائية أن ظاهرة ليلى عبد اللطيف ليست سوى انعكاس لفهم عميق للطبيعة البشرية، واستغلال ذكي لحاجتنا الفطرية للاطمئنان تجاه مستقبل مجهول. الإعلام الاستهلاكي هو من ينسج ثوب “المعجزة”، بينما تقف الحقائق النفسية والمنطقية شاهدة على صناعة وهمٍ متقن.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة