مقال رأي
في زوايا مظلمة من الفضاء الأزرق “فيسبوك”، وتحت ستار الدين والستر، تنشط عصابات ومجموعات مغلقة تروج لوباء اجتماعي خطير يُعرف بـ “زواج الفاتحة”. ظاهرة لم تعد مجرد ممارسة تقليدية بائدة أكل عليها الدهر وشرب، بل تحولت إلى “سوق نخاسة رقمي” منظم، يستهدف تدمير حياة النساء وتشريد الأطفال، في تحدٍّ سافر لقوانين الدولة المتمثلة في مدونة الأسرة، واستهتار مقيت بالمقاصد الحقيقية للشريعة الإسلامية.
“أشباه الرجال”.. ذئاب إلكترونية بعباءة التقوى
إن المتصفح لهذه الصفحات والمجموعات سيصاب بالغثيان من حجم الاستغلال البشع. فخلف الشاشات، يختبئ “أشباه رجال” يتصيدون فرائسهم بعناية فائقة. الهدف المفضل لديهم؟ النساء المطلقات والأرامل.
لماذا هذه الفئة بالتحديد؟ لأن هؤلاء “الذكور” (ولا نقول الرجال) يدركون هشاشة الوضع النفسي والاجتماعي لبعض المطلقات والأرامل اللواتي يبحثن عن السند والستر. فيتقدمون إليهن بوعود كاذبة ومعسولة، مستغلين كلمة “الفاتحة” كغطاء شرعي مزيف، للتهرب من أي التزام قانوني، مادي، أو أخلاقي. إنهم باختصار يبحثون عن متعة مجانية ومسؤولية منعدمة، وحين ينتهي الغرض، تُرمى المرأة في الشارع بجرة قلم، أو بالأحرى، بكلمة.
مجزرة حقوقية: المرأة والطفل في مهب الريح
إن الترويج لزواج الفاتحة اليوم هو دعوة صريحة لإعدام حقوق المرأة والطفل. فغياب العقد الموثق يعني قانونياً وواقعياً:
ضياع الأنساب: أطفال يولدون في جنح الظلام، يُحرمون من حقهم الدستوري والطبيعي في النسب، ليجدوا أنفسهم يحملون لقب “أطفال غير شرعيين”، ويدفعون ثمن نزوة “أشباه رجال” تجردوا من إنسانيتهم.
إهدار حقوق المرأة: في هذا الزواج المزعوم، لا حق للمرأة في نفقة، ولا سكن، ولا إرث. إنها تضع رقبتها طواعية تحت مقصلة رجل يمكنه طردها في أي لحظة دون أن يحميها القانون.
المتاجرة بالدين: ما هكذا تُكرم النساء يا سادة!
من الجانب الديني، يحاول مروجو هذا الوهم إضفاء صبغة القداسة على جريمتهم بالاستناد إلى قراءات مشوهة وسطحية للتراث. نسي هؤلاء أو تناسوا أن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الضروريات الخمس، وعلى رأسها “النسل” و”العرض”. إن الإسلام أقرّ الإشهاد والتوثيق لحماية الحقوق لا لتضييعها. وزواج هدفه الأساسي التهرب من توثيق الحقوق والتحايل على القانون لتسهيل التخلي عن الزوجة والأبناء، هو زواج باطل في مقاصده، يتقاطع مع الخداع والتدليس الذي يرفضه الدين الحنيف رفضا قاطعا.
سيف القانون: جريمة يعاقب عليها التشريع المغربي
من الجانب القانوني، حسم المشرع المغربي في مدونة الأسرة هذا الجدل. المادة 16 واضحة: “وثيقة عقد الزواج هي الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج”. فترة سماح ثبوت الزوجية كانت استثناءً لانتقال المجتمع نحو التوثيق، ولم تُشرع لتكون باباً خلفياً للمتلاعبين.
اليوم، الدخول في علاقة تحت مسمى “زواج الفاتحة” دون توثيق قانوني، يضع أطرافه تحت طائلة القانون الجنائي. فالقانون لا يعترف بهذه العلاقة، وقد تكيّف قانونياً في حال غياب أي إثباتات على أنها “فساد” أو علاقة غير شرعية، ناهيك عن العقوبات المرتبطة بإهمال الأسرة وتضييع حقوق الأطفال المترتبة عن هذا العبث.
إن صمت الجهات المعنية عن هذه الصفحات والمجموعات الفيسبوكية التي تروج لهذه الجريمة هو مشاركة غير مباشرة فيها. يجب على النيابة العامة والأمن السيبراني التدخل العاجل لضرب هؤلاء السماسرة بيد من حديد، ومتابعة كل من يحرض أو يروج لـ “زواج الفاتحة” بتهمة التحريض على خرق قانون الأسرة والتغرير بالنساء.
وعلى المجتمع المدني والإعلام أن يشن حملة توعية شرسة لحماية نسائنا وبناتنا من هذه المصائد. لا زواج بدون وثيقة قانونية، ولا كرامة في علاقة تُبنى في الخفاء لتهدم في العلن.




