عندما تتحول اليوميات إلى مرآة لخللٍ أعمق

فايس بريسمنذ ساعتينآخر تحديث :
عندما تتحول اليوميات إلى مرآة لخللٍ أعمق

بقلم:صفاء جمال

في يوم 29 أبريل 2026، ذهبت إلى المقاطعة بمدينة القنيطرة، من أجل تصحيح التزام إداري بسيط، لكن بساطته لم تمنع المشهد من أن يكشف ما هو أعقد. كانت الموظفة منهمكة في خدمة المواطنين، إلى أن جاء دوري، فإذا بها تنصرف فجأة إلى أوراق أخرى وكأن الزمن يتوقف عند عتبة مزاج متقلّب. وما إن لاحظت ملامح الانزعاج على وجهي حتى بادرت بقول يحمل في طيّاته شيئا من التبخيس: “ما بك، غضبت سريعا؟ ها أنا سأصحّح لك هذا الالتزام وماذا ستفعلين به أصلا؟”

حينها، لم يكن الرد مجرد كلمات، وإنما كان رغبة في استعادة الكرامة الرمزية التي تسلب أحيانا في تفاصيل صغيرة. أردت أن أقول لها: إن شاء الله سأفعل به ما يستحق وستشهدين على ذلك يوما ما إن شاء الله، لذلك، احتفظي بكلامي في ذاكرتك.

غير أن هذا الموقف ليس معزولا، إنه هو جزء من نسيج اجتماعي تتخلله مفارقات مؤلمة. جيل يُفترض أنه يحمل خبرة السنين، لكنه أحيانا يثقل قلبه بشيء من القسوة غير المبرّرة. علاوة على ذلك، نجد في مجتمعنا، أشخاص يحملون شهادات يظنونها جواز عبور نحو التعالي بدل أن تكون وسيلة للارتقاء الجماعي.

ثم تمتد الحكاية إلى فضاءات أخرى: إلى سائقي سيارات الأجرة الصغيرة، حيث تتحوّل المسافة إلى مجال للمساومة، فتصير الأجرة مضاعفة فقط لأنك لا تتحدث بلهجتهم، وكأن اللغة أصبحت معيارا للانتماء أو ذريعة للاستغلال.

أما بخصوص وسائل النقل، أي التنقل من المحطة إلى حي طهرون أو من الحي الجامعي إلى الجامعة، تتكرّر الأرقام بطريقة تُثقل جيب المواطن البسيط وتكشف هشاشة الضمير المهني.

ولا تقف السلسلة هنا، لكنها تمتد إلى بعض أصحاب المكتبات، حيث يُفترض أن يكون الكتاب رمزا للمعرفة، فإذا به يُحمّل أحيانا بأثقال الربح غير المشروع.

إنها يوميات عابرة في ظاهرها، لكنها في عمقها تعكس سؤالا سوسيولوجيا مؤرقا: كيف تحوّلت بعض العلاقات اليومية من فضاء للتعاون إلى ساحة صغيرة لإعادة إنتاج اللامساواة؟

وهل أصبح الصمت عن هذه الممارسات شكلا من أشكال التواطؤ غير المعلن، أم أن الوعي بها هو الخطوة الأولى نحو إعادة الاعتبار لقيم العدالة والاحترام داخل المجتمع؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة