الأستاذ الجهاني أيوب هيئة المحامين بفاس
في الآونة الأخيرة أصبح النقاش حول استقلال السلطة القضائية واستقلال مهنة المحاماة أكثر حضورا في الفضاء القانوني والحقوقي. فنرى السادة القضاة سواء من خلال مواقفهم الشخصية أو عبر جمعياتهم المهنية يؤكدون أهمية صيانة استقلال القضاء باعتباره الضمانة الأساسية لحماية الحقوق والحريات، كما نرى السادة المحامين يتمسكون باستقلال مهنتهم باعتباره شرطا لازما للقيام برسالتهم في الدفاع عن الحقوق والمؤازرة القانونية بكل حرية وتجرد.
وقد يعتقد البعض أن الدفاع عن استقلال كل مهنة هو دفاع عن امتيازات خاصة، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق بحماية وظيفة دستورية يؤديها كل طرف في سبيل غاية واحدة، هي تحقيق العدالة.
فاستقلال القضاء ليس امتيازا للقاضي، وإنما هو حق للمواطن قبل كل شيء. فالقاضي المستقل هو القاضي الذي لا يخضع إلا للقانون وضميره المهني، ولا يتأثر بأي ضغط أو تأثير أو مصلحة. وباستقلاله يطمئن المتقاضي إلى أن حقوقه ستفصل فيها محكمة محايدة لا سلطان عليها إلا للقانون.
وفي المقابل، فإن استقلال المحاماة ليس امتيازا للمحامي، بل هو الضمانة التي تمكنه من الدفاع عن موكله بكل حرية وشجاعة، دون خوف أو تبعية أو ضغط. فالمحامي لا يستطيع أن يؤدي رسالته في حماية الحقوق والحريات إذا كانت ممارسته رهينة لأي تأثير قد يمس استقلاله أو استقلال مؤسساته المهنية.
ولذلك، فإن العلاقة بين القضاء والمحاماة ليست علاقة تنافس أو صراع، وإنما علاقة تكامل وتعاون. فالقاضي والمحامي شريكان في إقامة العدل، ولكل منهما وظيفة مختلفة لكنها تلتقي عند خدمة القانون والإنصاف.
فالقاضي لا يستطيع الوصول إلى الحقيقة القضائية إلا من خلال دفاع حر ومسؤول، والمحامي لا يمكنه أداء رسالته إلا أمام قضاء مستقل ومحايد.
وبذلك فإن استقلال القضاء واستقلال المحاماة لا ينبغي أن يتحولا إلى شعارات متقابلة أو إلى معارك منفصلة، لأن المساس بأحدهما ينعكس سلبا على الآخر. فالقضاء المستقل يحتاج إلى محاماة مستقلة، والمحاماة المستقلة تحتاج إلى قضاء مستقل، وكلاهما يحتاج إلى احترام متبادل وإيمان مشترك بأن العدالة لا تتحقق إلا بتكامل الأدوار.
ومن هنا، فإن الاختلاف في وجهات النظر حول بعض النصوص أو الإصلاحات أو السياسات العمومية يجب ألا يحجب الحقيقة الجوهرية، وهي أن جميع مكونات أسرة العدالة تسعى، كل من موقعها، إلى حماية دولة القانون والمؤسسات وتعزيز ثقة المواطن في العدالة.
كما أن الدفاع عن استقلال القضاء لا ينتقص من أهمية استقلال المحاماة، كما أن الدفاع عن استقلال المحاماة لا يمس باستقلال القضاء، بل إنهما وجهان لعملة واحدة، عنوانها العدالة وسيادة القانون.
وفي النهاية، يبقى الهدف الأول والأخير الذي يجمع القضاة والمحامين وسائر الفاعلين في منظومة العدالة هو خدمة المتقاضي وصيانة الحقوق والحريات وترسيخ الثقة في المؤسسات والمساهمة في تحقيق عدالة ناجزة، مستقلة، منصفة وفعالة لأن العدالة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي ثمرة تعاون جميع شركائها وفي مقدمتهم القضاء والمحاماة باعتبارهما جناحي العدالة اللذين لا يستقيم تحقيقها إلا بهما معا.




