إن المشاهد التي عرفتها المناطق الشمالية للمغرب، ولا سيما على الحدود المحاذية لمدينة سبتة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه فئات واسعة من الشباب. فهذه الأحداث، بصرف النظر عن تعدد دوافع المشاركين فيها واختلاف الحالات الفردية، تثير من جديد أسئلة جوهرية حول مدى قدرة السياسات العمومية والنماذج التنموية المتعاقبة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، خاصة في ما يتعلق بالحق في الشغل، والعيش الكريم، والعدالة المجالية، وتكافؤ الفرص.
لقد أثبتت التجارب أن بناء الانتماء الوطني لا يتحقق عبر الخطابات الرسمية أو الشعارات السياسية أو الحملات التواصلية، مهما بلغت قوتها، وإنما يتأسس قبل كل شيء على شعور المواطن بأن كرامته مصونة، وأن حقوقه الأساسية مكفولة، وأن مؤسسات الدولة تتعامل معه باعتباره محور التنمية وغايتها. فحب الوطن ليس خطابًا يُلقَّن، بل هو إحساس يتولد عندما يجد المواطن ذاته داخل وطنه، ويتمكن من تحقيق طموحاته في بيئة توفر له الأمن الاجتماعي، وفرص الشغل اللائق، والتعليم الجيد، والخدمات الصحية ذات الجودة، والإدارة التي تحترم الإنسان وتصون كرامته.
ومن هذا المنطلق، فإن ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية لا يمكن أن يقتصر على إعلان البرامج أو إطلاق المبادرات، بل يستوجب ترجمة المبادئ الدستورية إلى سياسات عمومية ناجعة، قادرة على ضمان العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي، وتقليص الفوارق بين مختلف فئات المجتمع وجهاته. فالتنمية الحقيقية تقاس بمدى انعكاسها على حياة المواطن اليومية، لا بعدد المشاريع المعلنة أو حجم الخطاب السياسي المصاحب لها.
وفي هذا السياق، يظل الحق في الشغل من أبرز رهانات التنمية. غير أن توفير مناصب عمل هشة أو ضعيفة الأجر لا يحقق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي المنشود، بل قد يرسخ الإحساس بعدم الاستقرار ويفقد العمل وظيفته الأساسية في ضمان العيش الكريم. كما أن الحق في التعليم والصحة لا يقاس بمجرد الإعلان عن إصلاحات متتالية أو رفع شعارات الجودة، وإنما بمدى انعكاس تلك الإصلاحات على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وهو ما يظل موضوع نقاش واسع داخل الأوساط الأكاديمية والمجتمعية.
وتبقى المواطنة، في جوهرها، أعمق من مجرد علاقة قانونية تربط الفرد بالدولة أو وثيقة إدارية تثبت هويته. فهي شعور بالانتماء والمسؤولية والثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات بلاده. وهي إحساس يجعل الإنسان يعتز بتاريخه وحضارته وثقافته ولغته، ويكون مستعدًا للإسهام في تنمية وطنه والدفاع عن مصالحه. غير أن هذا الشعور لا يترسخ إلا عندما يشعر المواطن بأن الدولة تضمن له حقوقه الأساسية، وتتيح له فرصًا متكافئة للنجاح وتحقيق الذات.
ومن أبرز التحديات البنيوية التي ما تزال تحد من فعالية التنمية بالمغرب استمرار التفاوتات المجالية بين الجهات. فبينما استفادت بعض الأقطاب، خاصة على محور القنيطرة–الدار البيضاء، من استثمارات كبرى وبنيات تحتية متطورة وشبكات نقل حديثة، ما جعلها مراكز جذب اقتصادي وديمغرافي، ما تزال جهات أخرى تعاني من ضعف الاستثمار، وهشاشة البنيات الأساسية، ومحدودية فرص الشغل، الأمر الذي يدفع أعدادًا متزايدة من الشباب إلى الهجرة الداخلية أو البحث عن بدائل خارج الوطن. ويؤدي هذا الاختلال إلى تكريس مجالات جاذبة تستقطب السكان والاستثمارات، في مقابل مجالات طاردة تتفاقم فيها مظاهر الهشاشة والإقصاء.
ولا تنفصل هذه الإشكالات عن واقع الممارسة السياسية والحزبية، حيث يلاحظ تنامي حالة من فقدان الثقة لدى فئات واسعة من الشباب تجاه الفاعلين السياسيين. ويرتبط ذلك، في نظر كثير من الباحثين، باستمرار اختلالات تمس الممارسة الديمقراطية، من قبيل ضعف الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب، وهيمنة الاعتبارات الشخصية والزبونية والمحسوبية في بعض المحطات الانتخابية، إضافة إلى تشابه الخطابات والبرامج السياسية، الأمر الذي يجعل المواطن يجد صعوبة في التمييز بين البدائل المطروحة، ويؤدي إلى اتساع دائرة العزوف السياسي، خصوصًا في صفوف الشباب.
كما أن تعزيز المشاركة المواطنة يقتضي توسيع فضاءات الحوار العمومي، وإشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في مناقشة القضايا الكبرى، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح المواطنين الإحساس بأنهم شركاء في صناعة القرار، لا مجرد متلقين لنتائجه.
إن تجارب الدول التي حققت قفزات تنموية كبرى تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالاستثمار في الإنسان. فالعنصر البشري ليس مجرد مستفيد من التنمية، بل هو صانعها وأهم رأسمال تمتلكه الأمم. لذلك، فإن أي مشروع إصلاحي لا يضع الإنسان في صدارة أولوياته، ولا يراهن على تأهيله علميًا ومهنيًا، ولا يضمن له الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص، سيظل عاجزًا عن تحقيق التنمية المستدامة.
ولعل الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من الأحداث التي شهدها محيط باب سبتة هي أن التنمية ليست مجرد مؤشرات اقتصادية أو مشاريع عمرانية، وإنما هي قبل كل شيء بناء للثقة بين المواطن والدولة، وإرساء لعدالة اجتماعية ومجالية حقيقية، وتجديد للممارسة السياسية بما يجعلها أكثر شفافية ومصداقية وقربًا من انتظارات المواطنين، وخاصة الشباب. فكلما نجحت الدولة ومؤسساتها والأحزاب السياسية في تحويل الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص إلى واقع ملموس، تعزز الانتماء الوطني، وتراجعت دوافع الإحباط، وأصبح الوطن فضاءً لتحقيق الأحلام لا مجرد محطة للتفكير في الهجرة أو البحث عن مستقبل في مكان آخر.




