تشكيل حكومة المنصوري.. تحالف الضرورة أم بداية هندسة سياسية جديدة؟

فايس بريسمنذ 56 دقيقةآخر تحديث :
فاطمة الزهراء المنصوري وتشكيل الحكومة المغربية والتحالفات الحزبية

دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة دقيقة مع انطلاق مسار تشكيل الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، وهي مرحلة لا يتعلق فيها النقاش فقط بأسماء الوزراء أو عدد الحقائب التي سيحصل عليها كل حزب، بل بطبيعة الأغلبية التي ستقود المرحلة المقبلة وقدرتها على تحويل نتائج صناديق الاقتراع إلى تحالف سياسي متماسك وبرنامج حكومي قابل للتنفيذ. المشاورات الجارية تعكس حقيقة أساسية في السياسة: نتائج الانتخابات تحدد موازين القوى، لكنها لا تكفي وحدها لبناء أغلبية قادرة على الحكم. هنا تبدأ الحسابات المتعلقة بالتحالفات والحقائب والبرامج وموقع كل حزب داخل الأغلبية أو المعارضة. فاطمة الزهراء المنصوري توجد اليوم أمام أول اختبار سياسي كبير في رئاسة الحكومة: كيف يمكن تشكيل أغلبية مريحة عدديا دون أن تتحول الحكومة إلى تجمع لأحزاب مختلفة في أولوياتها وتصوراتها؟ حزب الأصالة والمعاصرة سيكون، بحكم موقع رئيسة الحكومة داخله، أحد الأعمدة الرئيسية للمرحلة المقبلة. لكن الحزب وحده لا يستطيع صناعة أغلبية، ولذلك تصبح علاقته مع الأحزاب الأخرى مفتاح فهم شكل الحكومة القادمة. حزب الاستقلال يبدو بدوره رقما يصعب تجاوزه في معادلة تشكيل الأغلبية. فالحزب يمتلك تجربة حكومية وتنظيما سياسيا ممتدا، ومشاركته يمكن أن تمنح الحكومة ثقلا سياسيا وبرلمانيا إضافيا. غير أن دخوله إلى الحكومة لن يكون مجرد إضافة عددية، لأن المفاوضات ستشمل بطبيعة الحال البرنامج الحكومي وموقع الحزب داخل الهندسة التنفيذية. أما التجمع الوطني للأحرار، فوضعيته أكثر إثارة للاهتمام سياسيا. السؤال لم يعد مرتبطا فقط بإمكانية مشاركته، وإنما بالصيغة التي يمكن أن تتم بها هذه المشاركة وحجم تأثيره داخل الحكومة الجديدة. وجود الأحرار في الأغلبية قد يسمح بتشكيل قاعدة برلمانية واسعة، لكنه في المقابل يطرح سؤال التوازن داخل الحكومة: هل ستكون أمام تحالف سياسي متجانس بقيادة المنصوري، أم أمام أغلبية كبيرة تضم مراكز قوة حزبية متعددة؟ وفي الاتجاه المقابل، انتقال حزب كبير إلى المعارضة قد يمنح البرلمان معارضة أكثر قوة، وهو أمر تحتاج إليه الحياة السياسية بقدر حاجتها إلى أغلبية مستقرة. حكومة قوية بدون معارضة سياسية حقيقية قد تجعل النقاش البرلماني أقل حدة، بينما وجود قطب معارض وازن يمكن أن يعيد التوازن بين الحكومة والبرلمان. لهذا فإن العدد ليس المعيار الوحيد لنجاح التحالف. الحكومة المقبلة تحتاج إلى أغلبية تستطيع الدفاع عن قراراتها، لكنها تحتاج كذلك إلى حد أدنى من الانسجام السياسي. كلما ارتفع عدد الأحزاب المشاركة ارتفع هامش الأغلبية داخل البرلمان، لكن ترتفع معه أيضا احتمالات الاختلاف حول الأولويات والمناصب والقرارات الصعبة. ومن هنا قد يكون التحدي الحقيقي أمام المنصوري هو بناء أغلبية فعالة وليس فقط أغلبية كبيرة. المغاربة، في النهاية، لن يقيسوا نجاح الحكومة بعدد الأحزاب التي دخلتها ولا بعدد الوجوه الجديدة التي حملت حقائب وزارية. الاختبار سيكون في المعيشة. أسعار المواد الأساسية والمحروقات وفرص الشغل والأجور ومعاشات المتقاعدين والصحة والتعليم والسكن والاستثمار ستكون الملفات التي ستحدد صورة الحكومة لدى الشارع. وهنا توجد نقطة سياسية شديدة الحساسية. الوعود الانتخابية سهلة أثناء الحملات، لكن بمجرد تشكيل الحكومة تتحول إلى أرقام داخل قانون المالية وإلى آجال للتنفيذ وإلى قرارات يمكن للمواطن قياس أثرها مباشرة في جيبه. لذلك ستجد حكومة المنصوري نفسها منذ أسابيعها الأولى أمام ضغط كبير لتقديم إشارات واضحة حول قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية، خصوصا في ظل استمرار النقاش حول القدرة الشرائية وارتفاع كلفة الحياة والمحروقات. سياسيا، هناك أيضا سؤال حول توزيع الحقائب. الوزارات السيادية لها منطقها المؤسساتي المعروف، بينما سيتركز التفاوض الحزبي أساسا حول القطاعات الحكومية الأخرى. وهنا ستكون طريقة توزيع المسؤوليات مؤشرا مهما: هل ستطغى قاعدة الوزن الانتخابي والحزبي، أم ستقدم المنصوري حكومة تقوم بدرجة أكبر على الكفاءة والتخصص؟ أي حديث الآن عن أسماء نهائية للوزراء أو توزيع محسوم للحقائب يبقى سابقا لأوانه ما لم يصدر الإعلان الرسمي. لكن القراءة السياسية للمشهد تسمح بالقول إن المنصوري تحتاج إلى ثلاثة أمور في الوقت نفسه: أغلبية برلمانية مريحة، توازن بين الأحزاب، وفريق حكومي يمكنها قيادته فعليا. وهي معادلة ليست سهلة. كما أن الأيام الأولى من المشاورات ستحدد إلى حد بعيد طبيعة العلاقة بين رئيسة الحكومة وحلفائها. الحزب الذي يدخل الحكومة بشروط سياسية ثقيلة قد يتحول لاحقا إلى مصدر توتر داخل الأغلبية، بينما الاتفاق منذ البداية على برنامج واضح وآليات لحسم الخلافات يمكن أن يمنح التجربة استقرارا أكبر. المعارضة بدورها ستكون جزءا من المعادلة. فإذا انتهت المشاورات إلى حكومة تضم معظم القوى الكبرى، سيطرح سؤال حول من سيقود المعارضة ومدى قدرتها على مراقبة الحكومة ومساءلتها. أما إذا اختار حزب كبير الاصطفاف خارج الأغلبية، فقد نشاهد برلمانا أكثر سخونة خلال المرحلة المقبلة. المشهد إذن لا يتعلق فقط بمن سيدخل الحكومة، بل كذلك بمن سيختار البقاء خارجها. فاطمة الزهراء المنصوري تدخل هذه المرحلة برصيد سياسي وتجربة في التدبير المحلي والحكومي، لكن رئاسة الحكومة مستوى مختلف تماما من المسؤولية، لأنها تعني إدارة التوازنات الحزبية والاجتماعية والاقتصادية في آن واحد. نجاحها لن يحسم يوم الإعلان عن التشكيلة الحكومية. الاختبار الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي. هل تستطيع الحكومة تقديم حلول ملموسة لغلاء المعيشة؟ هل تستطيع خلق فرص شغل وتحريك الاستثمار؟ هل ستنجح في حماية القدرة الشرائية؟ وهل ستتمكن الأحزاب المشاركة من تجاوز صراعات المواقع عندما تبدأ القرارات الصعبة؟ تلك هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل الحكومة أكثر من أسماء الوزراء نفسها. وفي النهاية، قد تكون أمام المغرب فرصة لإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، لكن هذه الثقة لن تصنعها الشعارات ولا صور اجتماعات المشاورات. ستصنعها النتائج. ولهذا فإن أهم سؤال في المرحلة المقبلة ليس: من سيدخل حكومة المنصوري؟ بل: ماذا ستفعل هذه الحكومة للمغاربة بعد أن تدخل الأحزاب إليها؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة