
التعايش الديني في فاس ليس مجرد عنوان للاحتفاء بمدينة عريقة، بل مدخل لقراءة ذاكرة مغربية تشكلت من لقاء السكان والثقافات والمعتقدات، ومن تجارب إنسانية تستحق أن تروى بدقة. ففي المدينة القديمة والملاح، تحضر آثار حياة اليهود المغاربة إلى جانب المعالم الإسلامية، وتفتح أسماء مثل لالة سوليكة أسئلة عن التاريخ والذاكرة وكرامة الإنسان، بينما تمنح الخطب والرسائل الملكية هذا النقاش امتدادا وطنيا واضحا.
في هذا المقال
ومن فاس إلى باقي مدن المملكة، يبرز التعايش بوصفه مسؤولية يومية: حماية أماكن العبادة، واحترام المختلف، وصيانة التراث، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ بلدها بكل مكوناته. وقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في محطات متعددة، أهمية هذه القيم، رابطا بين الهوية المغربية المتنوعة، وحرية ممارسة الشعائر، والحوار الذي يجعل الاختلاف مجالا للتعارف والتعاون.
التعايش الديني في فاس.. مدينة قديمة بذاكرة متعددة
تحمل فاس مكانة ثقافية وروحية راسخة في تاريخ المغرب، وقد أدرجت مدينتها القديمة ضمن قائمة التراث العالمي سنة 1981. ولا تتعلق قيمة هذا النسيج العمراني بالمباني وحدها، بل بما يحفظه من أنماط عيش ومهارات وعلاقات اجتماعية. فالمدارس والمساجد والفنادق التقليدية والبيوت والأسواق تتيح قراءة مدينة تطورت عبر قرون، وتفاعلت في عمارتها وثقافتها مع مؤثرات أندلسية وشرقية وإفريقية.
وتضم هذه الذاكرة فاس البالي وفاس الجديد، ولكل منهما موقعه في تشكل المدينة. لذلك، فإن الحديث عن الملاح لا يعني وضعه خارج تاريخ فاس، بل فهمه داخل تاريخها العمراني والاجتماعي. وتساعد هذه القراءة للتعايش الديني في فاس على تجاوز صورة المدينة باعتبارها مجموعة معالم منفصلة، نحو رؤيتها فضاء عاش فيه الناس، وتبادلوا العمل والخبرة، وتركوا آثارا لا تستطيع جولة سريعة أن تختزل جميع دلالاتها.
ومن هنا تأتي أهمية التعايش الديني في فاس بوصفه موضوعا ثقافيا وإنسانيا، لا وصفا سياحيا جاهزا. فالمكان يكتسب معناه حين نعرف من عاش فيه وكيف تشكلت ذاكرته، وحين نميز بين تاريخ موثق وحكاية متداولة. ويمكن للزائر أن يرى جمال الأزقة والأبواب، لكن فهمها بصورة أعمق يحتاج أيضا إلى معرفة الأشخاص والجماعات الذين أسهموا في حياة المدينة، دون إلغاء أي مكون من مكوناتها.

الملاح واليهود المغاربة.. صفحة من تاريخ المدينة
يرتبط ملاح فاس بفاس الجديد، ويعد من أبرز المواقع التي تحفظ ذاكرة الوجود اليهودي في المدينة. وقد استقر اليهود في هذا الحي خلال القرن الخامس عشر، بينما تعود صلاتهم بفاس إلى مراحل أقدم. ولا تكفي تسمية الحي لفهم قصته، لأن تاريخه يتصل بالسكن والعبادة والتعليم والتجارة والحرف، كما يتصل بتحولات المدينة والظروف التي عاشتها الجماعات المقيمة بها.
وفي قراءة التعايش الديني في فاس، ينبغي الحديث عن اليهود المغاربة باعتبارهم جزءا من تاريخ البلاد، لا ضيوفا على ذاكرتها. فقد عرفت المدينة علماء وحاخامات وأسرا وحرفيين يهودا، وارتبطت أسماء مثل ابن دنان بتاريخها الديني والثقافي. كما أسهمت صلات التجارة والحرف في تشكيل علاقات داخل المدينة، وإن اختلفت طبيعتها وظروفها عبر الفترات التاريخية، وهو اختلاف يستحق الفهم دون تعميم.
وفي موضوع التعايش الديني في فاس، تبقى شرفات الملاح وبيوته ومعالمه علامات تساعد على استحضار هذا الماضي، لكنها لا تتحدث وحدها. فالحفاظ عليها يحتاج إلى شرح يربط العمارة بحياة أصحابها، ويمنع اختزالها في منظر للصور. ومن المفيد أن تقدم ذاكرة الحي ضمن مسار متكامل عن فاس، بحيث يعرف الزائر أنه أمام جزء من التراث المغربي، وأن احترامه امتداد لاحترام المدينة وسكانها وتاريخها.
لالة سوليكة.. اسم من طنجة وقصة ارتبطت بفاس
لالة سوليكة، أو صول حاتشويل، وترد باسم سول هاتشويل في صيغ كتابية أخرى، شابة يهودية مغربية من طنجة انتهت حياتها في فاس سنة 1834. وتحفظ الذاكرة اليهودية المغربية اسمها بوصفه رمزا للثبات على المعتقد، بينما يعرف قبرها في المقبرة اليهودية بفاس بالقرب من الملاح. ومن المهم توضيح أصلها الطنجاوي، حتى لا تتحول صلتها بفاس إلى ادعاء بأنها ولدت في المدينة.
وتعرض الدراسات التاريخية قضيتها باعتبارها محاكمة بتهمة الردة عن الإسلام، وهي تهمة أنكرت أساسها، مؤكدة تمسكها باليهودية. وقد انتهت القضية بإعدامها، ثم أعيدت روايتها في نصوص وحكايات متعددة. وتختلف بعض التفاصيل بين هذه الروايات، ومنها عمرها وبعض ظروف الاتهام؛ لذلك، لا يصح تقديم كل مشهد متداول عنها باعتباره حقيقة محسومة، ولا بناء قصة عاطفية كاملة من دون توثيق.
ويمنح التعايش الديني في فاس هذه الذاكرة مدخلا للنقاش المسؤول، لأن احترام التاريخ يشمل الاعتراف بصفحاته المؤلمة. فاستحضار سوليكة لا يحتاج إلى صور صادمة أو لغة تستعدي أتباع دين، بل إلى التعريف بإنسان وتجربة وذاكرة. كما أن الحديث عن قيم التعايش اليوم لا يبرر محو ما حدث في الماضي، وإنما يتيح التفكير في حماية الكرامة والاختيار الديني ومنع تكرار التعصب.
سوليكة والذاكرة الشعبية.. ضرورة التمييز بين الشخصيات
يرد اسم لالة سوليكة في روايات مغربية متعددة، وتذكر بعض الكتابات تسمية زوليخا أيضا. ويعكس اختلاف الأسماء انتقال القصة بين اللغات والذاكرات المحلية، لكنه لا يسمح بدمج شخصيات مختلفة تحت اسم واحد. فالتشابه بين الأسماء قد يجعل حكاية تنتقل من صاحبها إلى شخص آخر، خاصة عندما يعاد نشرها دون مراجعة للسياق الذي وردت فيه أو للزمن الذي تنتمي إليه.
وفي هذا السياق، يرتبط لقب Miss Ferraille بسوليكا ماريلي في ذاكرة الملاح، وهي شخصية تختلف عن صول حاتشويل. ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة عند كتابة مقال عن سوليكة، لأن نقل اللقب إلى الشخصية التاريخية الأخرى يخلط بين سيرتين. ولا يقلل تصحيح هذا الخلط من قيمة الذاكرة الشعبية، بل يحميها، ويمنح كل شخصية حقها في أن تروى باسمها وتجربتها الخاصة.
ويحتاج تناول التعايش الديني في فاس إلى هذه العناية بالتفاصيل، لأن المقال الذي يحترم القارئ لا يكتفي بجاذبية الحكاية. ويمكن الاحتفاء بالأسماء المتداولة مع الإشارة إلى اختلاف الروايات، والابتعاد عن الأقوال المنسوبة إلى شخصيات تاريخية ما لم يتأكد نصها. فالذاكرة تصبح أغنى حين نفهم تعدد طرق روايتها، لا حين نزيل الفروق بينها ونحول جميع القصص إلى رواية واحدة.
التعايش الديني في فاس ورسالة الملك سنة 2013
في 13 فبراير 2013، وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله رسالة إلى المشاركين في افتتاح كنيس «صلاة الفاسيين» بفاس بعد ترميمه. وأبرزت الرسالة الاهتمام بحماية التراث الثقافي والروحي لليهود المغاربة، كما نوهت بالجهود التي ساهمت في تجديد هذه المعلمة. وتكتسي هذه المحطة دلالة خاصة، لأنها تصل الحديث الوطني عن التعايش بموقع محدد داخل فاس وبعمل ملموس لحفظه.
ودعا جلالته في الرسالة إلى ترميم المعابد اليهودية في مدن مغربية أخرى، حتى تؤدي دورها في العبادة والحوار الثقافي وإحياء القيم الحضارية. كما ربطت الرسالة بين الخصوصية العبرية والهوية الوطنية، وأكدت رعاية المواطنين اليهود وحرية ممارسة الشعائر. وبذلك، لم يقدم التراث اليهودي باعتباره أثرا منفصلا عن المغرب، بل مكونا يستحق الحماية والاعتبار ضمن ذاكرته المشتركة.
وتسمح قراءة هذه الرسالة بفهم التعايش الديني في فاس على مستوى يتجاوز الشعار. فإعادة الاعتبار لمعلمة دينية تعني الاعتراف بما تمثله بالنسبة إلى أصحابها وإلى المدينة. كما تفتح سؤال كيفية تعريف الشباب بها، وإدماجها في القراءة الثقافية لفاس. فالحفاظ على الجدران خطوة مهمة، ويزداد أثرها حين ترافقها معرفة تشرح التاريخ وتساعد الزائر على احترام المكان وفهم دلالته.
خطاب 2019.. إمارة المؤمنين واحترام اختلاف الديانات
خلال استقبال البابا فرنسيس بالرباط في 30 مارس 2019، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله مسؤوليته، بصفته ملك المغرب وأمير المؤمنين، عن ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية. وقال جلالته: «وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم». وهي عبارة تختصر موقع حماية المؤمنين المختلفين في الرؤية الملكية، وتمنح النقاش حول التعايش مرجعية واضحة ترتبط بالمسؤولية والاحترام.
وأكد الخطاب حماية اليهود المغاربة والمسيحيين القادمين من دول أخرى والمقيمين بالمملكة، ودعا إلى التعارف المتبادل ومواجهة الجهل والتطرف بالتربية. كما قدم الحوار بين المسلمين والمسيحيين واليهود باعتباره مجالا للعمل المشترك، لا مجرد مجاملة بين أتباع معتقدات مختلفة. وتتيح هذه الأفكار قراءة التعايش الديني في فاس ضمن توجه وطني يربط الاختلاف بالمعرفة، ويجعل احترام الآخر جزءا من بناء السلم.
وتظهر قيمة هذا التوجه حين يتحول إلى طريقة في الحديث عن الناس وفي تقديم تاريخهم. فاللغة التي تحترم المؤمن المختلف لا تنزع عنه انتماءه الإنساني أو الوطني، ولا تحصره في صور نمطية. ومن مسؤولية الإعلام أن ينقل هذا المعنى بدقة، وأن يفرق بين عرض موقف ملكي موثق وبين إضافة عبارات لم ترد فيه، حتى تبقى قوة الرسالة في مضمونها الحقيقي.
التعايش الديني في فاس ضمن رسالة المغرب للحوار
في رسالة إلى المؤتمر البرلماني الدولي حول حوار الأديان بمراكش، بتاريخ 13 يونيو 2023، جدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله التأكيد على التعايش والتنوع والتعاون. وتناولت الرسالة صلات المسلمين واليهود والمسيحيين بالمغرب، كما استحضرت تقارب أماكن العبادة في مدنه بوصفه علامة على قيم إنسانية وثقافية. ووصف جلالته المملكة بأنها «بلد التسامح والتعايش والتنوع والإخاء».
وأبرزت الرسالة أهمية أن يكون الحوار منتجا، وأن يشترك في مسؤوليته البرلمانيون والمؤسسات الدينية والحكومات والمجتمع المدني والإعلام. وهو طرح ينقل القضية من حوار محدود بين ممثلي الأديان إلى اهتمام أوسع بمستقبل العيش المشترك. وفي هذا الإطار، يصبح التعريف بتاريخ اليهود المغاربة وبالتراث الديني المتعدد عملا يخدم المعرفة، متى قدم بلغة دقيقة وهادئة، وأتيح للقارئ فهم سياقه.
ومن خلال هذه المحطات، يتضح أن التعايش الديني في فاس يندرج ضمن رسالة مغربية أوسع، مع احتفاظ المدينة بخصوصيتها. ففاس تمنح النقاش أمكنة وأسماء وذاكرات يمكن التعرف إليها، بينما تؤكد الرسائل الملكية المبادئ التي تحمي هذا التنوع. ويمكن الجمع بين البعدين دون تصوير المدينة بوصفها استثناء منفصلا عن البلاد، أو اختزال المغرب كله في تجربة مدينة واحدة مهما بلغت مكانتها.
الرافد العبري والانتماء المغربي المشترك
يذكر تصدير دستور المملكة لسنة 2011 الرافد العبري ضمن روافد الهوية المغربية، إلى جانب الروافد الإفريقية والأندلسية والمتوسطية، مع الإقرار بمكونات الهوية العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية. وتكشف هذه الصياغة أن التنوع حاضر في تعريف البلاد لذاتها. ولا يحتاج الاعتراف بهذا الرافد إلى وضعه في مواجهة غيره، لأن النص يتحدث عن هوية وطنية تجمع مكوناتها وتستمد غناها من تفاعلها.
ويمنح هذا الإطار معنى واضحا للتعايش الديني في فاس وللحديث عن اليهود المغاربة: فالانتماء المغربي لا يختزل في دين واحد عند التعريف بتاريخ المواطنين وثقافتهم. ويمكن للإنسان أن يحافظ على خصوصيته الدينية، وأن يشترك مع الآخرين في اللغة والمكان والذاكرة الوطنية. وفي فاس، يساعد فهم هذا المعنى على تقديم الملاح ومعالمه باعتبارها جزءا من تراث المدينة، بدل التعامل معها كذاكرة لا صلة لها بمحيطها.
وعندما يطرح التعايش الديني في فاس بهذه الروح، يصبح سؤال المعرفة أهم من سؤال التصنيف. فمن المفيد أن يتعرف الشباب إلى معنى الرافد العبري، وإلى صلاته بالتاريخ المحلي، دون تحويل الدرس إلى قائمة أسماء تحفظ وتنسى. فالغاية هي إدراك أن حماية جزء من التراث تعزز حماية التراث كله، وأن محو مساهمة جماعة يجعل صورة الوطن أقل اكتمالا وأبعد عن تاريخه الفعلي.

بيوت الملاح.. العمارة بوصفها ذاكرة للحياة
تكشف الصور الأرشيفية لبيوت يهودية بملاح فاس عن زخارف وجص منحوت وزليج يتصل بالتقاليد المعمارية للمدينة. وترد في هذا المقال صورة أرشيفية منشورة سنة 1922 لداخل أحد هذه البيوت، وهي وثيقة بصرية عن الماضي وليست صورة للحي اليوم. وتساعد هذه المادة ضمن ملف التعايش الديني في فاس على رؤية أن التاريخ المحلي يمكن أن يقرأ أيضا في شكل الفضاء المنزلي وتفاصيل بنائه، لا في المناسبات الكبرى وحدها.
ولا تعني صورة بيت واحد أنه يمثل جميع البيوت أو جميع أوضاع السكان. فقد اختلفت الإمكانات والتجارب بين الأسر، كما تتغير العمارة بمرور الوقت. لذلك، ينبغي تقديم الصور بوصفها شواهد محددة، مع احترام تاريخها ووصفها. ويمكن للمقال أن يستفيد من جمال الوثيقة دون جعلها دليلا على تعميم لا تسمح به، ودون استخدام صورة من مكان آخر لتزيين قصة مرتبطة بفاس.
ويساعد هذا المنهج على خدمة التعايش الديني في فاس من خلال المعرفة البصرية. فحين يرى القارئ عناصر مشتركة في عمارة المدينة، يستطيع أن يسأل عن انتقال المهارات والأذواق بين سكانها. ومع ذلك، تبقى التفاصيل الدقيقة بحاجة إلى بحث متخصص. والمهم أن تكون الصورة بابا لفهم المكان، لا بديلا عن التوثيق، وأن يحافظ تقديمها على الفرق بين الأرشيف والمشهد المعاصر.

الحرف والأسواق.. قراءة العلاقات اليومية دون مبالغة
ترتبط صورة فاس أيضا بالحرف والأسواق والمهارات التي حافظت على حضور المدينة في المخيال المغربي. وتتيح صور الدباغة ومشاهد العمل في المدينة القديمة استحضار هذا الجانب الحي من التراث. غير أن الصورة لا تحدد وحدها هوية جميع العاملين أو تاريخ علاقاتهم؛ لذلك، لا ينبغي استعمالها لإثبات مشاركة جماعة بعينها في نشاط محدد دون معلومات تؤكد ذلك وتشرح الفترة المقصودة.
وقد عرفت الذاكرة اليهودية بفاس ارتباطا بحرف مثل الصياغة والتطريز والخياطة في مراحل من تاريخ المدينة. وتفتح هذه الصلات مجالا لدراسة أثر العمل والتبادل التجاري في العلاقات الاجتماعية، مع الانتباه إلى اختلاف الأحوال عبر الزمن. فالعلاقة بين المعتقد والمهنة ليست قاعدة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزال قرون من الحياة اليومية في حكاية موحدة عن الانسجام أو الانغلاق.
ومن هذه الزاوية، يتصل التعايش الديني في فاس بالتاريخ الاجتماعي الذي يهتم بالناس خارج الألقاب الكبرى. فالجار والحرفي والتاجر والمعلم يتركون بدورهم أثرا في ذاكرة المكان. ويمكن لمشاريع جمع الروايات والصور والوثائق أن تساعد على استعادة هذه التجارب، شريطة التحقق منها ومقارنة الشهادات، حتى يصبح التراث مصدرا للفهم لا مساحة لتكرار معلومات تتداول دون سند.
الحضور المسيحي.. فاس ضمن جغرافية المغرب الدينية
لا يكتمل الحديث عن التعايش الديني في فاس والتعدد الديني بحصره في الذاكرة الإسلامية واليهودية وحدها. ففي فاس توجد كنيسة القديس فرنسيس الأسيزي التابعة لأبرشية الرباط، وتعرض صفحات الأبرشية أنشطة مرتبطة برعيتها. ويتيح هذا الحضور توسيع فهم المدينة المعاصرة، دون افتراض أن جميع المؤمنين يعيشون التجارب نفسها أو أن حجم الجماعات الدينية فيها متساو أو ثابت عبر الزمن.
ولا تحتاج قراءة هذا الجانب من التعايش الديني في فاس إلى مقارنة تنافسية بين أماكن العبادة، بل إلى تقديم كل موقع في سياقه واحترام دوره بالنسبة إلى مرتاديه. كما ينبغي التمييز بين زيارة مكان للتعرف إلى تراثه وبين المشاركة في شعائره، واحترام قواعده وخصوصية الأشخاص الموجودين فيه. وتساعد هذه التفاصيل على تحويل الفضول إلى معرفة، وعلى تجنب أن تصبح الزيارة الثقافية سببا في سوء الفهم.
ويؤكد التعايش الديني في فاس، في قراءته المعاصرة، أهمية أن يعرف السكان والزوار تعدد وجوه المدينة دون تهويل أو تعميم. ويمكن للقاءات الثقافية أن تقرب الناس متى بنيت على الاحترام والرغبة في الفهم. فالاختلاف لا يفرض اتفاقا في العقيدة، وإنما يتيح التعاون في خدمة الإنسان وصيانة كرامته، ويترك لكل شخص مساحته في ممارسة معتقده دون إساءة إلى الآخرين.
اليهود المغاربة خارج الوطن وروابط الذاكرة
شهدت الجماعة اليهودية بفاس تحولات واسعة وهجرة عدد كبير من أفرادها، خصوصا خلال القرن العشرين. لكن انتقال الأشخاص إلى بلدان أخرى لا يجعل قراءة تاريخهم المحلي أمرا ثانويا. فالأسماء والبيوت والمعالم والوثائق تظل جزءا من ذاكرة المدينة، ويمكن أن تساعد أبناء الأسر وأحفادها على فهم صلاتهم بالمكان، حتى حين تكون تجربتهم الشخصية قد تشكلت بعيدا عنه.
وفي تناول التعايش الديني في فاس، من المفيد التمييز بين الروابط الثقافية وبين الأحكام السياسية الجاهزة. فلا يصح اختزال اليهود المغاربة في موقف واحد أو دولة واحدة، كما لا يصح افتراض أن الجميع يحتفظون بالعلاقة نفسها مع المدينة. وتتيح المقاربة الثقافية الاستماع إلى التجارب الفردية والتعرف إلى الذاكرة الأسرية، مع احترام اختلافها وعدم تقديم الانتماء الديني بوصفه دليلا تلقائيا على رأي سياسي.
وتزداد قيمة حفظ التراث والتعايش الديني في فاس حين يسمح لهذه الذاكرات بأن تلتقي دون أن يلغي بعضها بعضا. فقد يحمل شخص صورة منزل، ويحفظ آخر اسم حرفة أو مدرسة، بينما يتذكر سكان الحي قصة عائلة رحلت. ويمكن جمع هذه المواد في مشاريع موثقة تشرح مصدر كل شهادة وحدودها، فتمنح المدينة صورة أكثر إنسانية، وتحمي تفاصيل صغيرة قد تضيع عندما يغيب من يعرفونها.
من فاس إلى المغرب.. حفظ الذاكرة مسؤولية ثقافية
يجد الاهتمام بالتراث اليهودي المغربي امتدادات خارج فاس، ومنها «بيت الذاكرة» في المدينة العتيقة للصويرة، الذي يجمع بين حفظ التاريخ اليهودي المغربي والبحث في العلاقات بين اليهودية والإسلام. وقد زاره صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله سنة 2020. وتوضح هذه المبادرة أن صيانة الذاكرة يمكن أن تجمع بين المعلمة والبحث والتعريف، وأن تكون عملا موجها إلى الأجيال المقبلة.
وتفيد هذه التجربة عند التفكير في التعايش الديني في فاس، ليس من أجل نسخ مشروع بعينه، بل لفهم ما يحتاجه التراث حتى يبقى مفهوما وحيا. فالمبنى المرمم يحتاج إلى شرح، والوثيقة تحتاج إلى ترتيب، والرواية تحتاج إلى تحقق. ويمكن لمؤسسات الثقافة والباحثين والمرشدين أن يتكاملوا في هذا العمل، مع احترام دور الجماعات المعنية وحقها في المشاركة في تقديم تاريخها.
كما ينبغي أن يصل التعريف بالتعايش الديني في فاس إلى سكان المدينة، لا إلى الزوار وحدهم. فالتعرف إلى الملاح والمعابد والذاكرة اليهودية يساعد الفاسيين على قراءة تاريخهم بصورة أوسع. ويمكن للأنشطة المدرسية والمعارض الصغيرة والمحتوى الرقمي الموثق أن تقرب المعلومات دون إثقالها، وأن تمنح الشباب أدوات للسؤال والبحث، بدل الاكتفاء بصورة جميلة أو عبارة عامة عن التسامح لا تتصل بمعرفة حقيقية.
التعايش الديني في فاس.. كيف نحكي التاريخ للأجيال؟
تبدأ التربية على التعايش الديني في فاس واحترام التنوع من تقديم معلومات صحيحة وأسماء دقيقة وتواريخ واضحة. ويمكن للقصة الجذابة أن تساعد على التعلم، لكنها تفقد قيمتها عندما تمزج بين شخصيات مختلفة أو تنسب إلى التاريخ ما لم يثبت. ولذلك، فإن تصحيح الخلط بين صول حاتشويل وسوليكا ماريلي مثال صغير على مسؤولية أكبر: أن نتعامل مع الذاكرة بوصفها مجالا للفهم، لا مادة جاهزة للإثارة.
ولا يعني تعليم التاريخ المؤلم دفع المتعلم إلى كراهية جماعة معاصرة. فالتعايش الديني في فاس يمكن أن يقدم بوصفه قيمة تحتاج إلى حماية، مع الاعتراف بأن التاريخ عرف توترات ومآسي. وتساعد هذه المقاربة على فهم أهمية الضمانات الحديثة واحترام الكرامة، بدلا من تصوير الماضي كله مثاليا أو تحويله كله إلى اتهام. فالقراءة المتوازنة لا تمحو الألم ولا تجعل الألم الرواية الوحيدة.
ومن المفيد أيضا تدريب القارئ على فهم الفرق بين الوثيقة والشهادة والحكاية الأدبية والصورة الأرشيفية. فلكل منها قيمته وحدوده، ولا يصلح أحدها دائما لتعويض الآخر. وعندما يتعلم الشباب هذا الفرق، يستطيعون التعامل مع المحتوى المتداول بثقة أكبر، والبحث عن السياق قبل إعادة النشر، والمشاركة في حماية ذاكرة المدينة من الأخطاء التي تتكرر حتى تبدو، بمرور الوقت، حقائق لا تقبل السؤال.
زيارة الملاح والمعالم الدينية باحترام المكان
في ملف التعايش الديني في فاس، يمكن أن تكون زيارة الملاح والمدينة القديمة فرصة للتعرف إلى التراث، لكن المعرفة تبدأ باحترام المكان وسكانه. فمن المفيد الاستعانة بمرشد يعرف التاريخ، والتحقق من إمكان الدخول إلى المعالم ومن القواعد المعمول بها عند الزيارة. ولا ينبغي افتراض أن جميع الأماكن مفتوحة في كل وقت، أو نشر مواعيد غير مؤكدة، لأن ظروف الاستقبال قد تتغير وتحتاج إلى مراجعة مباشرة.
وفي المقابر وأماكن العبادة، يظل احترام الخصوصية أولوية. فالتصوير ليس حقا مطلقا في جميع المواضع، ومن المناسب طلب الإذن عندما يتعلق الأمر بأشخاص أو فضاءات خاصة. كما أن القبر يحمل معنى روحيا وعائليا لمن يزورونه، وليس مجرد خلفية لصورة. وتساعد هذه العناية على أن تكون زيارة المواقع المرتبطة بسوليكة وبالذاكرة اليهودية تجربة معرفة، لا استهلاكا سريعا لرموز لا يفهمها الزائر.
ويزداد أثر التعايش الديني في فاس حين يظهر في السلوك، من طريقة السؤال إلى طريقة تصوير المكان والحديث عنه. ويمكن لزائر يحترم القواعد ويستمع إلى الشرح أن ينقل صورة أصدق عن المدينة ممن يجمع لقطات مثيرة فقط. فالسياحة الثقافية المفيدة تصل الجمال بالمعرفة، وتراعي حقوق السكان، وتترك للمعالم فرصة أن تقدم تاريخها دون تحريف أو مبالغة.
فاس ورسالة العيش المشترك.. ذاكرة تحمي المستقبل
يجمع التعايش الديني في فاس بين مسؤولية حفظ الماضي ومسؤولية بناء المستقبل. فالملاح وذاكرة اليهود المغاربة وقصة لالة سوليكة والمعالم الإسلامية والحضور المسيحي، كلها تفتح مسارات لفهم المدينة، لكنها تحتاج إلى خطاب يحترم اختلافها. ولا يصبح التاريخ أكثر قيمة عندما نجعله متشابها في جميع مراحله، بل حين نقرأ تحوله ونفهم ما يمكن أن نتعلمه من تجاربه المتنوعة.
وتمنح توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله هذا العمل مرجعية تقوم على حماية التراث واحترام ممارسة الشعائر والحوار والتعارف. ويمكن للإعلام المحلي أن يسهم في تجسيدها عبر مقالات دقيقة وصور أصلية وملفات تعرف الناس بمدينتهم. كما يستطيع أن يفتح المجال للأسئلة الثقافية دون تأجيج حساسيات، وأن يقدم ذاكرة اليهود المغاربة باعتبارها جزءا من تاريخ الوطن، مع احترام خصوصيتها الدينية.
وتظل فاس قادرة على أن تقدم رسالة إنسانية قوية، حين تتحول معرفتها بتاريخها إلى احترام عملي للآخر. فالتعايش ليس إنكارا للاختلاف ولا نسيانا للصفحات المؤلمة، وإنما اختيار لصيانة الكرامة وتوسيع المعرفة وحماية ما يجمع الناس. ومن المدينة القديمة إلى الملاح، ومن الذاكرة الشعبية إلى الرسائل الملكية، يبقى السؤال الأهم: كيف نحفظ هذا الغنى ونورثه للأجيال بصدق ومسؤولية؟


