فايس بريس/الرباط
لم يعد هناك وصف يلخص المأساة التي يعيشها إقليم تاونات أبلغ من المثل القائل “العيشة الدبانة في البطانة”. إنه الإقليم الذي يطفو على بحيرات من الذهب الأزرق ويموت أهله عطشا؛ الإقليم الذي يصدر خيرة أدمغة المغرب وكفاءاته التي تسير دواليب القرار عالمياً، بينما بنيته التحتية لا تزال تدار بعقلية القرون الوسطى، وتخضع لمنطق “الترقيع” البدائي.
يمتد هذا الإقليم الجريح المكونة من 49 جماعة، موزعا بين نفوذ دائرة تيسة تاونات و دائرة قرية با محمد غفساي. ورغم شساعة الجغرافيا وعراقة التاريخ، يجمع بين هذه الرقع قاسم مشترك واحد: “التهميش الممنهج”. إن البحث عن طريق صالحة للسير في هذا الإقليم أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، والحديث عن “بنية تحتية” بات نكتة تثير البكاء والدعوة للشفقة أكثر من الضحك.
من سخرية القدر أن هذا الإقليم “المنكوب تنمويا” هو نفسه الخزان الذي لا ينضب للكفاءات الوطنية. أطباء، مهندسون، وقضاة تخرجوا من رحم هذه المعاناة ليقودوا مؤسسات كبرى، بينما تركت “مسقط رؤوسهم” فريسة لمنتخبين يفتقرون لأبسط أبجديات التسيير، حولوا المنطقة إلى حقل تجارب لسياسات فاشلة.
لا يكاد المواطن التاوناتي يلتقط أنفاسه من جحيم الصيف ومعاناة البحث عن قطرة ماء –في مفارقة مخزية لإقليم يحتضن أكبر سدود المملكة– حتى يسقط في كارثة الشتاء. لقد جاءت أمطار 2026 لتكون النقطة التي أفاضت الكأس، ولتزيل “الماكياج” عن الوجه القبيح لبنية تحتية “كرتونية”. طرقات تهاوت كأنها قطع بسكويت، وقناطر لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي، ومنازل انهارت على رؤوس ساكنيها، تاركة أسرا في العراء تلتحف السماء وتفترش الطين.
وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية، يبرز السؤال الحارق الذي يتردد في كل مداشر الإقليم: أين المنتخبون؟ أين أولئك الذين صدعوا رؤوسنا بالوعود الوردية، وتشدقوا بالغيرة على الإقليم في مواسم “الولائم الانتخابية”؟
لقد اختفوا تماما. تبخروا مع أول قطرة غيث، تاركين الساكنة تواجه مصيرها المحتوم. إن غيابهم اليوم ليس مجرد إخلال بالمسؤولية، بل هو “خيانة عظمى للأمانة”. لقد أثبتت فيضانات 2026 أن أغلب السياسيين في المنطقة مجرد “ظواهر صوتية” لا تظهر إلا في مواسم جني الأصوات، وتختبئ في جحورها الوثيرة بالرباط وفاس و طنجة و الدار البيضاء حينما يجد الجد.
السلطة المحلية.. حينما تغيب “السياسة” وتحضر “الدولة”
وسط هذا السواد القاتم، وللأمانة التاريخية والمهنية، لا بد من الإشادة بالنقطة المضيئة الوحيدة: السلطة الإقليمية والمحلية و رجال الدرك الملكي و القوات المساعدة و رجال الأمن الوطني.
فقد شوهد رجال السلطة، تحت الإشراف المباشر والميداني للسيد عبد الكريم الغنامي عامل إقليم تاونات، يخوضون في الأوحال، ويقفون ليل نهار إلى جانب الساكنة المتضررة. تدخلات آنية لفك العزلة، ومجهودات جبارة بآليات محدودة لمواجهة كارثة تفوق إمكانيات الإقليم. لقد ناب العامل ورجال السلطة عن المنتخبين “الهاربين”، وأثبتوا أن مفهوم الدولة يتجسد في رجال الميدان، لا في أصحاب ربطات العنق المختفين خلف شاشات الهواتف و في مواسيم “الشطيح و الرديح” و “بوسني نبوسك”.
إن ما وقع في 2026 بإقليم تاونات ليس كارثة طبيعية فحسب، بل هو “جريمة تدبيرية” مكتملة الأركان. وإن لم يتم ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاكمة كل من تورط في غش طريق أو بناء قنطرة مغشوشة، فإن تاونات ستبقى تدور في حلقتها المفرغة: تنتج النوابغ.. وتغرق في الوحل.




