تعيش منطقة بوعادل بإقليم تاونات على وقع غليان شعبي غير مسبوق، حيث خرجت الساكنة بكضها وكضيضها، رجالا ونساء وأطفالا، في مسيرات احتجاجية سلمية ترفع الأعلام الوطنية، دفاعا عن شريان حياتهم الوحيد: منبع المياه الصافية. هذه الاحتجاجات التي وحدت ثلاث قبائل تعيش تحت عتبة الفقر، لم تكن رفضا للتنمية كما يروج البعض، بل صرخة بقاء في وجه مشروع استثماري لتعليب المياه يهدد بسلب الأهالي حقهم التاريخي في مياه أجدادهم.
وفي الوقت الذي كانت فيه الساكنة تنتظر من يفتح معها باب الحوار ويطمئنها على مصير أمنها المائي، تفاجأت بمقاربة أمنية تجلت في استدعاءات بالجملة طالت نساء وشبابا أبرياء لم يقترفوا ذنبا سوى الدفاع عن مورد رزقهم الوحيد. لقد عبرت الساكنة بوعي منقطع النظير عن ترحيبها بالمشاريع التنموية، بل وقدمت بدائل واقعية بدعوة الشركة إلى استغلال وتصفية مياه بدل الاستيلاء على المنبع النقي الذي يروي ظمأهم ويسقي أراضيهم.
لكن الصدمة الكبرى جاءت عبر الخروج الإعلامي الاستفزازي لمدير مشروع ، ع. ب، الذي أطل على الرأي العام بخطاب جاف ومستفز، لم يحمل في طياته أي إجابة عن التساؤلات الحارقة للساكنة المحتجة. فبدلا من تنوير الرأي العام المحلي حول كيفية استغلال المياه، وطمأنة الأمهات اللواتي يحملن استدعاءات لحضور الي مركز الدرك الملكي بعين عيشة وهن يبكين خوفا على مستقبل أبنائهن، اختار مدير المشروع الهروب إلى الأمام واستعراض لغة الأرقام الباردة، متحدثا عن 147 مليون درهم، و73 غرفة فندقية، ومئات الأمتار المربعة من المسابح والمقاهي.
إن تصريح مدير المشروع لم يكن في جوهره سوى حملة علاقات عامة رخيصة، ومحاولة يائسة لتلميع صورة مالك المشروع، المستشار البرلماني بالدائرة قرية غفساي ورجل الأعمال م.ا. لقد تحولت الكاميرا من أداة لتوضيح الحقيقة إلى بوق دعائي يُمجد “وطنية” المستثمر وغيرته المزعومة على إقليم تاونات، معتبرا إياه بطلا اقتصاديا اختار الاستثمار في مسقط رأسه بدل المدن الكبرى.
يتناسى القائمون على هذا المشروع أن الغيرة الحقيقية على المنطقة لا تبدأ بتشييد فنادق بثلاث نجوم فوق عطش الأهالي، ولا تبنى بجر النساء القرويات البسيطات إلى مراكز التحقيق. الساكنة لا تحتاج إلى من يسرد عليها ميزانيات فلكية ومشاريع سياحية لن تزيد الفقير إلا تهميشا إذا سُلب منه ماؤه.
إن مشروع شركة اليوم مطالب بالكف عن سياسة الاستعلاء والترويج الإعلامي الموجه، والنزول إلى أرض الواقع لمواجهة الحقائق الدامغة. مياه بوعادل ليست مجرد سلعة تعبأ في القنينات البلاستيكية لزيادة أرصدة المستثمرين، بل هي حياة وحق دستوري غير قابل للمساومة.
وعلى الجهات المسؤولة أن تتدخل عاجلا لوقف هذا العبث، وحماية ثروة الساكنة المائية، ووقف المتابعات في حق أبناء المنطقة الذين أثبتوا أنهم أشد حرصا على استقرار وتنمية وطنهم من تجار الأزمات.





