بقلم: اديب منير
تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية إلى فضاء مفتوح لترويج أخبار غير مؤكدة تتحدث عن حالات اختطاف للأطفال في عدد من المدن المغربية، في مشهد يعكس بوضوح حجم الفوضى المعلوماتية التي باتت تجتاح الفضاء الرقمي. فقد استيقظت العديد من الأسر على وقع رسائل تحذيرية ومنشورات تتحدث عن عصابات مزعومة تتربص بالأطفال قرب المدارس وداخل الأحياء السكنية، مما خلق حالة من الهلع والخوف العابر للحدود المجتمعية.
هذه الأخبار، التي انتشرت كالنار في الهشيم عبر صفحات “فيسبوك” ومجموعات “واتساب”، قُدّمت في أحيان كثيرة على أنها وقائع مؤكدة، رغم افتقارها لأي دليل مادي أو تصريح من جهات أمنية رسمية. هذا الانتشار العشوائي ساهم بشكل مباشر في تضليل الرأي العام وإثارة قلق مجتمعي غير مبرر.
وأمام سيل هذه الأخبار المفزعة، وجد عدد من الآباء والأمهات أنفسهم مضطرين لتغيير روتين حياتهم اليومي؛ حيث بادر البعض إلى مرافقة أبنائهم شخصياً إلى المدارس، في حين لجأت أسر أخرى إلى اتخاذ قرارات صارمة بمنع أطفالها من اللعب خارج المنزل، خوفاً من سيناريوهات وهمية تُتداول بكثافة في العالم الافتراضي.
غير أن التدقيق والتمحيص في هذه المعطيات يكشف أن جزءاً كبيراً من هذه القصص لا يعدو كونه مجرد إشاعات تم تضخيمها والمبالغة في تفاصيلها، في ظل غياب تام لثقافة التحقق من المعلومة قبل إعادة نشرها.
ويرى متتبعون للشأن المجتمعي والرقمي أن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على نشر أخبار زائفة فحسب، بل تتعداه إلى استغلال “الخوف الجماعي” وتحويله إلى مادة دسمة تهدف حصراً إلى حصد التفاعلات والإعجابات، دون أدنى مراعاة للتداعيات النفسية على الأسر والأطفال. كما أن الاستمرار في تداول مثل هذه الأخبار يضعف ثقة المواطن في المعلومة الصحيحة، ويخلق حالة من البلبلة التي قد تتطور إلى اتهامات عشوائية وسوء فهم داخل الأحياء السكنية.
ورغم أن اليقظة والحذر يبقيان من الشروط الأساسية لحماية الطفولة، إلا أن تهويل الوقائع وتحويل كل حادث بسيط إلى قضية اختطاف محتملة لا يخدم المصلحة العامة. وفي المقابل، تظل المصالح الأمنية على أعلى درجات اليقظة لتتبع أي بلاغ أو شبهة حقيقية تمس بسلامة الأطفال، في إطار التزامها بحماية المواطنين والحفاظ على الأمن العام.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بات التحلي بروح المسؤولية الرقمية ضرورة ملحة. فالإشاعة في زمن الإنترنت قد تسبق الحقيقة بخطوات، لكنها تترك وراءها ندوباً نفسية حقيقية. إن حماية أطفالنا هي مسؤولية مشتركة، لكن حماية مجتمعنا من سموم الإشاعة لا تقل أهمية، لأن الخوف المصطنع قد يكون، في أحيان كثيرة، أشد فتكاً من الخطر ذاته.




