فاس لا ينقصها التاريخ.. متى تحصل على نصيبها من الوعود السياسية؟

فايس بريس17 أكتوبر 2026آخر تحديث :
صورة أصلية لشارع الملاح بفاس بشرفاته ومحلاته سنة 2011
شارع الملاح بمدينة فاس في صورة أرشيفية حقيقية تعود إلى سنة 2011
شارع الملاح بفاس، صورة أرشيفية سنة 2011. تصوير puffin11k، منشورة وفق CC0 1.0 عبر ويكيميديا كومنز.

مقال رأي

لفاس حق في المستقبل بقدر ما لها مكانة في التاريخ. ومن حق سكانها أن يسألوا، بعيدا عن المجاملات: ماذا تضيف الوعود السياسية إلى حياتنا؟ كيف تتحول مكانة المدينة إلى فرص عمل وخدمات جيدة واستثمار؟ ومتى يصبح الحديث عن التنمية قابلا للقياس داخل الأحياء، وليس فقط داخل قاعات الاجتماعات؟

المشكلة ليست في الاعتزاز بفاس، بل في الاعتقاد أن الاعتزاز يكفي. فتاريخ المدينة لا يعفي المسؤولين من تدبير حاضرها، وجمال معالمها لا يغني عن الاهتمام بالشارع الذي يسلكه المواطن كل صباح، ولا عن توفير شروط العيش والعمل والتنقل بكرامة.

والإنصاف يقتضي ألا نختزل فاس في صورة العجز، وألا نمحو المشاريع والمبادرات التي تنجز فيها. لكن الإنصاف نفسه يرفض اعتبار الإعلان عن المشروع نهاية للنقاش. بين الإعلان والإنجاز مراحل، وبين الإنجاز واستفادة السكان مسافة تحتاج إلى التتبع. لذلك يظل السؤال مشروعا: أين وصل المشروع؟ هل احترمت آجاله؟ وهل أدى الوظيفة التي أنجز من أجلها؟

في ملف الشغل، تحتاج فاس إلى نقاش يتجاوز التعبير عن الرغبة في جذب المستثمرين. ما القطاعات التي يمكن أن تخلق فرصا مستقرة؟ وكيف تستفيد المدينة من جامعاتها وكفاءاتها؟ وتطرح مبادرات مثل الحرم المشترك للأورومتوسطية والسوربون بفاس سؤالا عمليا: كيف نجعل الانفتاح الأكاديمي أكثر اتصالا بالتنمية المحلية؟

ولا ينبغي أن يصبح الشاب الفاسي مجرد صورة في مناسبة انتخابية أو رقم في خطاب عن المستقبل. المطلوب أن تكون له فرصة في تكوين جيد، ومعلومة متاحة، ومنافسة نزيهة، وبيئة تسمح له بالمبادرة. كما ينبغي أن يجد الحرفي والتاجر الصغير مكانهما في تصور التنمية، لأن تحديث المدينة لا يكتمل بإضعاف الأنشطة التي تمنحها جزءا من هويتها ورزق سكانها.

وفي الخدمات اليومية، قد يبدأ استرجاع الثقة من تفاصيل يعتبرها بعض المسؤولين صغيرة: انتظام خدمة، وسلامة ممر، وإنارة شارع، ونظافة فضاء، وسرعة معالجة طلب إداري. هذه التفاصيل هي التي يصنع منها المواطن حكمه على التدبير، لأنها تمس وقته وصحته وماله كل يوم.

وتحتاج الوعود السياسية في فاس إلى عنوان واضح للمسؤولية. فالجماعة ومجلس الجهة والقطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية ليست جهة واحدة، ولكل منها اختصاصاته. غير أن تعدد المتدخلين يجب أن يقود إلى التنسيق، لا إلى تبادل الإحالات كلما طلب السكان جوابا.

وسيكون من المفيد أن يعرف الفاسيون، بلغة بسيطة، المشاريع المبرمجة لأحيائهم، وكلفتها، والجهة المكلفة بها، وتاريخ بدايتها ونهايتها، وأسباب أي تأخر. نشر هذه المعلومات يمنح النقاش أساسا، ويتيح التمييز بين النقد المنصف والمزايدة.

فاس ليست مطالبة بالاختيار بين ترميم ذاكرتها وبناء اقتصادها، ولا بين استقبال الزوار والعناية بسكانها. ويقدم تطوير الشراكات الجامعية الدولية أحد أمثلة الانفتاح الذي يمكن مناقشة أثره مستقبلا، إلى جانب السياحة والصناعة التقليدية وباقي الأنشطة المنتجة.

ومن أجل أن يصبح النقاش أكثر فائدة، يمكن بناء لوحة تتبع محلية يطلع عليها السكان بسهولة، تتضمن المشاريع وأحياء الاستفادة والآجال والاعتمادات ونسب التقدم. فالمواطن لا يحتاج إلى وثائق معقدة كي يعرف مصير ورش قريب من بيته. يحتاج إلى جواب مفهوم، وإلى وسيلة واضحة لتقديم ملاحظة أو شكاية وتتبع مآلها، مع آجال للرد ومسؤولية محددة عن معالجة التعثر.

وتستحق العدالة بين أحياء فاس موقعا مركزيا في هذا التقييم. فلا يكفي تحسن بعض المحاور البارزة إذا ظلت أحياء أخرى تنتظر معالجة حاجات يومية. ويمكن أن يساعد نشر معايير توزيع المشاريع في فهم الاختيارات: كثافة السكان، وحالة التجهيزات، ومستوى الخصاص، وأثر التدخل على السلامة والولوج إلى الخدمات. وبهذا يتحول النقاش من منافسة بين الأحياء على الوعود إلى مطالبة مشتركة بإنصاف واضح القواعد.

كما أن الإنصات إلى سكان فاس ينبغي أن يسبق إطلاق المشاريع ويستمر بعد إنجازها. فقد يكشف مستعملو مرفق عن صعوبة لا تظهر في تقرير تقني، وقد يقترح حرفي أو تاجر صغير حلا عمليا يحسن تنظيم فضاء دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي. وتبقى المشاركة مفيدة عندما يعرف أصحاب المقترحات كيف درست آراؤهم، وما الذي أخذ به منها، ولماذا تعذر اعتماد مقترحات أخرى. فالإنصات الذي لا يترك أثرا لا يبني الثقة.

الوفاء لفاس يبدأ عندما يصبح الوعد التزاما يمكن تتبعه، وعندما يرى سكانها أن حضورهم في حسابات التنمية أقوى من حضورهم في الحملات الانتخابية. فهذه المدينة تستحق أكثر من خطاب جميل عنها؛ تستحق عملا جادا من أجلها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة