في مشهدٍ سريالي يعكس عُمق الاستهتار بالمسؤولية، تحولت قاعة مجلس جماعة فاس، صباح اليوم، إلى مسرح للغياب المتعمد. ففي الوقت الذي انتظرت فيه الساكنة بفارغ الصبر مناقشة نقطة حيوية تمس عصب حياتها اليومية، والمتمثلة في حق الحصول على رخص الربط بشبكتي الماء والكهرباء، صُدم الجميع بمشهد بائس لكراسي فارغة؛ أدار أصحابها ظهورهم لأبسط حقوق المواطنين وللأمانة التي قلدوا إياها.
إن هذا الهروب الجماعي المفضوح يُشكل تناقضاً صارخاً وتنكراً غير مقبول للتوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي ما فتئ يضع “العيش الكريم” و”كرامة المواطن” في صلب كل السياسات العمومية، جاعلاً منها خطاً أحمر لا يقبل المساومة. فكيف يُستساغ أن تُحرم فئات واسعة من أبسط شرايين الحياة، بينما يفضل من توسمت فيهم الساكنة خيراً التواري عن الأنظار والهروب من قبة المجلس؟
لقد أسقطت هذه الدورة –التي تُعد الأغرب في تاريخ المجلس– ورقة التوت الأخيرة عن شعارات الحملات الانتخابية الزائفة. فمن صدّعوا رؤوس الفاسيين بوعود الدفاع عن المستضعفين، اختاروا اليوم الانزواء في الكواليس، والانخراط في مسرحية عبثية من تبادل الاتهامات البائسة بين المجلس الحالي والمجلس السابق. إن المواطن البسيط لا تعنيه تصفية الحسابات السياسوية الضيقة؛ كل ما يعنيه هو استخراج رخصة تنهي معاناته، وتروي عطشه، وتضيء عتمة بيته.
إن صورة المقاعد الشاغرة، التي وثقتها مجريات جلسة اليوم، ليست مجرد غياب جسدي عابر، بل هي إدانة تاريخية وتجسيد حي لإفلاس سياسي وأخلاقي. الرسالة اليوم واضحة ولا تقبل التأويل: من يعجز عن التقاط التوجيهات الملكية السديدة، ومن يتهرب من توفير قطرة ماء وشعاع نور لساكنة فاس، لا يمتلك الأهلية للجلوس على كراسي تدبير الشأن العام، ومكانه الطبيعي هو خارج أسوار التسيير.




