سعيد.ا فايس بريس رياط
لم تكد ساكنة حي “المستقبل–المسيرة” بمنطقة بنسودة تستفيق من هول الصدمة التي هزت العاصمة العلمية ليلة الثلاثاء 9 دجنبر، إثر الانهيار “المرعب” لبنايتين سكنيتين، حتى وجدت نفسها أمام “فاجعة تواصلية” لا تقل خطورة عن الكارثة العمرانية.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأسر تلملم جراحها وتنتظر إجابات شافية تضمد الجراح، خرج عبد الله الهادف، نائب رئيس مقاطعة زواغة والمفوض له تدبير قطاع التعمير (عن حزب التجمع الوطني للأحرار)، بتصريح وُصف بـ”المستفز”، قائلاً: “المجلس لا يعلم الغيب، ولم يكن يعرف أن البنايتين ستنهاران”.
الهروب إلى “الغيب” لتبرير الفشل
هذه العبارة لم تمر مرور الكرام، بل صبت الزيت على نار الغضب الشعبي. فالتصريح بدا وكأنه محاولة مكشوفة للقفز على الحائط القصير وتحميل “القدر” مسؤولية ما يعتبره الخبراء “تراكمات من الإهمال”. فالمواطن الفاسي لم ينتخب مسؤولاً ليمارس “التنجيم” أو قراءة الفنجان، بل انتخبه ليمارس المراقبة، التتبع، والزجر.
قطاع التعمير، الذي يُعد “القنبلة الموقوتة” في فاس، لا يُدار بالتنبؤات، بل بالتقارير التقنية والجولات الميدانية. والسؤال الذي يطرحه الشارع اليوم ليس “هل كنتم تعلمون الغيب؟”، بل:
– أين كانت أعين السلطة المحلية والمقاطعة حينما كانت التصدعات تنخر أساسات المباني؟
– هل كانت هذه البنايات تتوفر على تراخيص قانونية؟ أم أنها نتاج “الفوضى” التي غض الطرف عنها لسنوات؟
– لماذا غابت لجان اليقظة عن أحياء تعيش هشاشة عمرانية واضحة؟
التقنية تدحض “المفاجأة”
وبعيداً عن لغة “الغيب”، يؤكد الخبراء الهندسيون أن انهيار بنايتين دفعة واحدة ليس حدثاً “فجائياً” بالمعنى العلمي، بل هو النقطة الأخيرة في مسار طويل من التدهور. إنه نتيجة حتمية لغياب الصيانة، أو لإضافة طوابق وتعديلات عشوائية دون دراسة، أو لضعف في التربة لم يقابله تدعيم للأساسات. وكل هذه الأمور تقع تحت طائلة “المسؤولية البشرية والإدارية” لا القضاء والقدر.
من يُحاسب من؟
تصريح نائب رئيس المقاطعة أعاد فتح الجرح القديم حول “كفاءة النخب” المدبرة للشأن المحلي بفاس. فبدل أن يُقدم المسؤول تقريراً مفصلاً عن الوضعية القانونية والتقنية للبنايات المنهارة، اختار الاختباء خلف “المجهول”.
اليوم، وأمام حصيلة ثقيلة ومأساة إنسانية، لم يعد مقبولاً الاكتفاء ببيانات التعزية أو التصريحات التبريرية. المطلوب الآن هو فتح تحقيق عاجل وشفاف يحدد المسؤوليات بدقة: من رخّص؟ من راقب؟ ومن أغمض عينيه؟
فاس تحتاج إلى مسؤولين يواجهون الكوارث بالقرارات الشجاعة والحلول العملية، وليس بمنطق “لم نكن نعلم”. لأن الثمن، للأسف، يُدفع دائماً من أرواح الأبرياء.




