إسماعيل الحمراوي
عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية

ملاحظة قبل البدء: قبل الخوض في المقالة، كثيراً ما أؤكد، في عدد من اللقاءات والمناسبات السياسية، أن من المفيد، بل من الضروري أحياناً، أن يحرص الفاعل السياسي، على توثيق بعض المحطات والتجارب حتى يؤرخ للحظات سياسية قد يحتاجها التاريخ السياسي من زاوية الممارس في تفاعل إيجابي مع زاوية الرواية الصحفية .. ولنا عودة لهذا الموضوع.. نقطة إلى المقال :مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، شرع حزب التقدم والاشتراكية في خلق دينامية سياسية مكثفة، انطلقت مباشرة يوم 24 شتنبر، من خلال سلسلة من اجتماعات المكتب السياسي واللقاءات التشاورية التي خُصصت لتقييم النتائج الانتخابية واستشراف آفاق المرحلة السياسية المقبلة.وبكل الموضوعية والصراحة والجرأة التي تميّز ممارستنا السياسية في حزب التقدم والاشتراكية، فقد خلفت النتائج التي حصل عليها الحزب، والمتمثلة في 19 مقعداً برلمانياً، شعوراً مبرراً بخيبة الأمل والقلق، بالنظر إلى حجم الطموحات التي كانت تحدو مناضلات الحزب ومناضليه، وإلى المجهودات السياسية والتنظيمية والميدانية التي بذلتها قيادة الحزب من خلال مساره السياسي الوطني.غير أن ما يميز حزب التقدم والاشتراكية، باعتباره حزباً وطنياً عريقاً، هو قدرته على تحويل اللحظات الصعبة والحرجة إلى فرص للتقييم والمراجعة وتجديد الرؤية السياسية وتثبيت المبادئ.لقد عرفت اجتماعات المكتب السياسي نقاشات عميقة وهادئة ورصينة، نفتخر بها، تناولت كل الأبعاد والجوانب ذات الصلة بنتائج الانتخابات، سواء ما يتعلق بالسياق السياسي العام الذي جرت فيه الانتخابات، أو الظروف التي أحاطت بالعملية الانتخابية، أو الجوانب التنظيمية المرتبطة بقدرة الحزب على توسيع قاعدة استقطابه، وتعزيز حضوره الميداني، وتقوية امتداده المجتمعي والانتخابي.وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة على حقيقة سياسية محورية، وهي أن حزب التقدم والاشتراكية راكم، على امتداد مساره السياسي، حضورا بوزن سياسي وفكري ومؤسساتي يتجاوز في كثير من المحطات حجمه التمثيلي والانتخابي. فقد كانت قوة الحزب دائماً مستمدة من وضوح مواقفه، ومصداقية اختياراته، وجودة مساهماته في النقاش العمومي، وقدرته على تقديم تصورات ومقترحات جادة بشأن القضايا الكبرى للوطن.ومع انطلاق المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة، إثر الدعوة التي وجهتها السيدة رئيسة الحكومة المعينة من طرف جلالة الملك، انتقل النقاش داخل الحزب إلى مستوى آخر، تمثل في دراسة طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، ومدى إمكانية المساهمة في بلورة تجربة حكومية تستجيب لانتظارات المواطنات والمواطنين.وقد عكست المشاورات التي قادها الرفيق الأمين العام، بمعية الوفد المرافق له، المكانة السياسية التي يحظى بها الحزب. فاللقاء الذي جمع وفد حزب التقدم والاشتراكية بالسيدة رئيسة الحكومة، والذي استغرق أكثر من ساعة ونصف، لم يكن مجرد لقاء تفاوضي تقليدي ذاتي حول المشاركة الحكومية، بل كان مناسبة لنقاش سياسي إيجاب ي عميق ومسؤول حول التوجهات الكبرى للوطن، والأولويات الاقتصادية والاجتماعية، والاختيارات الديمقراطية التي ينبغي أن تؤطر العمل الحكومي خلال المرحلة القادمة.لقد ذهب الحزب إلى هذه المشاورات حاملاً مشروعاً سياسياً وتصوراً واضحاً، وليس مجرد تطلع إلى المشاركة في تدبير الشأن الحكومي بشكل ضيق.ومن خلال اللقاء الأول، برزت مجموعة من نقاط الالتقاء والتقاطع بين التوجهات البرنامجية لحزب التقدم والاشتراكية والتصورات التي جرى التداول بشأنها مع حزب الأصالة والمعاصرة، خاصة في ما يرتبط بالقضايا الاجتماعية والتنموية، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وتقوية المسار الديمقراطي والحقوقي وتطوير دور المؤسسات العمومية، والاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة.وبعد هذه الجولة من المشاورات، عاد الرفيق الأمين العام إلى المكتب السياسي، حيث جرى تقديم عرض مفصل حول مضامين اللقاء والنقاشات التي شهدها. وقد خُصصت اجتماعات متتالية، امتدت على مدى عدة أيام، لتدارس مختلف المعطيات السياسية والبرنامجية، في إطار نقاش جماعي اتسم بالجدية والمسؤولية واحترام تعدد الآراء.ثم جاءت محطة اللجنة المركزية، باعتبارها أعلى هيئة تقريرية داخل الحزب، حيث جرى عرض مختلف عناصر السياق السياسي ومخرجات المشاورات، وفتح نقاش واسع بين الرفيقات والرفاق حول الخيارات الممكنة، قبل تفويض المكتب السياسي لاستكمال التداول واتخاذ القرار المناسب.وبناءً على ذلك، واصل المكتب السياسي نقاشاته السياسية ومداولاته، إلى أن اتخذ قرار المشاركة في الحكومة المقبلة، مع تفويض الرفيق الأمين العام لمواصلة المشاورات المتعلقة باستكمال شروط هذه المشاركة.وهنا أود التوقف عند مسألة أساسية، تتعلق بما جرى تداوله إعلاميا خلال هذه المرحلة من أخبار وتأويلات حول وجود انقسامات أو صراعات داخلية حادة في صفوف حزب التقدم والاشتراكية.وأؤكد أن هذه الروايات لا تعكس حقيقة ما جرى داخل مؤسسات الحزب.صحيح أن النقاشات كانت غنية، وأن الآراء والتقديرات السياسية لم تكن متطابقة ومماثلة دائماً، وهذا أمر طبيعي وصحي داخل حزب يؤمن بالديمقراطية وبحرية التعبير والاختلاف. لكن هذه التباينات ظلت في إطار النقاش السياسي المسؤول، ولم تتحول إلى صراعات أو انقسامات كما حاول البعض تصويرها وتسويقها لتشويه صورة الحزب. لقد اختلفنا في بعض القراءات والتقديرات، لكننا كنا متفقين حول المنطلقات الكبرى، ومتوحدين حول الهدف الأساسي: كيف يمكن لحزب التقدم والاشتراكية أن يواصل الاضطلاع بدوره الوطني، وأن يكون قوة اقتراحية وسياسية فاعلة في خدمة المغرب والمغاربة؟وهذا هو جوهر النقاش الذي ساد داخل مؤسسات الحزب.كما أود التأكيد على أن النقاش لم يكن منصباً على الأسماء أو الحقائب الوزارية أو توزيع المسؤوليات، خلافاً لما تم الترويج له في بعض المنابر ومواقع التواصل الاجتماعي. وأيّاً كانت الرفيقة أو الرفيق الذي سيتحمل المسؤولية داخل الحكومة، فثقتنا كبيرة في أنه سيحمل أفكار الحزب ويدافع عنها من موقعه، بروح الالتزام والنزاهة وخدمة الناس. فتلك قيم تربّينا عليها في مدرسة الحزب، وتظلّ معنا أينما كنّا ومهما كانت مسؤولياتنا.لقد كان النقاش سياسياً وبرنامجياً في المقام الأول، وتم تفويض الرفيق الأمين العام لتدبير ما تبقى من المشاورات، في إطار الثقة التي تحظى بها القيادة الحزبية، وتقديراً للحكمة والرزانة والمسؤولية التي طبعت تدبيرها لهذا المسار.إن قرار المشاركة في الحكومة لم يكن قراراً ظرفياً أو انفعالياً، ولا مجرد بحث عن موقع داخل الأغلبية، بل جاء ثمرة مسار مؤسساتي من التداول والتقييم والتشاور، واستحضاراً للمصلحة الوطنية، ولما يمكن أن يقدمه الحزب من قيمة مضافة داخل التجربة الحكومية المقبلة.فحزب التقدم والاشتراكية، الذي راكم تجربة سياسية وحكومية وبرلمانية غنية، يدرك أن المشاركة في تدبير الشأن العام ليست امتيازاً، بل مسؤولية سياسية ووطنية، تقتضي وضوح الرؤية، والوفاء للالتزامات، والقدرة على تحويل التصورات والبرامج إلى سياسات عمومية ملموسة.واليوم، ونحن نتطلع إلى الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، فإن أملنا أن تنطلق هذه التجربة في أقرب الآجال، وأن تتوفر لها شروط النجاح والانسجام والفعالية، من أجل التسريع في معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية، والاستجابة للانتظارات المشروعة للمواطنات والمواطنين.ما يهم حزب التقدم والاشتراكية هو أن تكون مشاركته في الحكومة مفيدة للبلاد وللناس، وأن تُترجم أفكاره ومواقفه إلى عمل يلمس المواطن أثره في حياته اليومية، ويدفع بالإصلاح والتنمية إلى الأمام.وهذا، في تقديري، هو المعنى الحقيقي للقرار الذي اتخذه الحزب، وهو أيضاً جوهر المسؤولية التي تنتظرنا جميعاً خلال المرحلة المقبلة.




